د/سيف عبد الفتاح

من المهم أن نتأمل دروس ثورات الربيع العربي، وكذا الهجمة عليها من الثورة المضادة، والتي أفرزت حالة كاشفة، بل فاضحة، ليس فقط لنماذج وصفت بالنخبوية، وبصفات كثيرة إيجابية، إلا أنها، في حقيقة الأمر، ارتكبت أخسّ الأفعال، وانحازت إلى أقبح المواقف، واستحقت، بلا منازع، وصف النخبة المنحطة، وليس فقط المحنطة، ليس ذلك هو الأمر الوحيد الذي انكشف أمره، وانزاح ستره، وافتضح سره. ولكن، في صفحات الفضيحة، أتى الغرب متربعاً بسياساته ومواقفه، بعد أن ظل مدّعياً صفة الأستاذية فى تعليم الحرية، وإرساء القيم الديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان، خصوصاً الحكومات التي سال لعابها مع صفقات اقتصادية هنا وهناك من "الرافال" و"سيمنز". سال اللعاب ووئدت القيم السياسية الديمقراطية، وماتت حقوق الإنسان الأساسية بالسكتة القلبية، بتصريحات مزورة ومواقف مزيفة. كتبت صحيفة ستانفورد ديلي الأميركية أن خيار الغرب المفضل للحفاظ على مصالحه في المنطقة هو الحفاظ على الدكتاتوريات العلمانية مستقرة، والبديل الوحيد الذي يثق فيه الغرب في المنطقة هو الاستبداد وسوء الحكم الذي تعاني منه دول العالم العربي. فهل وصل الأمر إلى هذا الحد، وبلا حياء أو مداراة.

وبدت تلك القوى تصطنع السياسات والاستراتيجيات، ما أسميت "سياسات التوتر"، كأهم وسيلة الغرب في الامتداد، وأهم مسالك العسكر في الاستبداد. استراتيجية التوتر اتبعتها كل الأنظمة الاستبدادية تقريباً، لتخويف قطاعات عريضة من الشعب، واستثمار هذا الخوف والهلع؛ إما للرضوخ والقبول بالإجراءات القمعية التي تمارسها الأنظمة السلطوية. وتعني هذه الاستراتيجية، باختصار، قيام الأنظمة المراد تدعيمها بعمل عمليات عنف دموية، ونسبتها إلى تيارات إرهابية وهمية أو مصطنعة ؛ بغرض إحكام هذه الأنظمة السيطرة على الحكم، عبر سياسات قمعية متشددة، تروّجها حملات دعائية ضخمة، ونشر معلومات مغلوطة ومضللة، واعتماد تكتيكات الحرب النفسية، لكي يؤيد الرأي العام هذه الأفعال، أو على الأقل يقف على الحياد.. من أجل تعزيز أركانها، بفضل عدم الاتزان العام الناتج عن انعدام الأمن المعمم، ومن أجل منع أي تغيير عن طريق تحويل اهتمام البلاد عن المشكلات الاجتماعية التي لم تحل. هذا بعض ما ورد فى الكتاب الأشهر"الحرب القذرة".
في سوق مقايضة الديمقراطية، يوضح أحد الكتاب، في مقالته، أن الغرب لا يستطيع تحمل تبعات الديمقراطية، و"يرجع الافتقار إلى الديمقراطية في العالم العربي إلى تحالف آثم شرير بين المصالح الغربية والأنظمة الاستبدادية المحلية". الغرب يناور وينافق، يبدئ ويعيد ويراوغ ويخادع ويتجمّل ويتكحل ويتبرج، ليظهر في مرآة الشعوب العربية في صورة المدافع عن المبادئ الجميلة: كالحرية والعدالة والتقدم وحقوق الإنسان بصفة عامة. ليظهر في صورة الظهير للشعوب، المعادي لقاصمي ظهورها من الطغاة المستبدين. ولم ينس الساسة الغربيون، وهم ينهمكون في التبرج السياسي والإعلامي والحضاري. لم ينس هؤلاء أن يصوغوا قصائد هجاء، في ذم أولئك المستبدين ولعنهم..".
شاع على مستوى النخبة السياسية الغربية ما تعبر عنه، مثالاً من أمثلة عديدة، مقولة المستشار الألماني الأسبق، هلموت شميدت، في كتابه "خارج الخدمة"، أنه لا يمكن حكم الشعوب العربية والإسلامية بالديمقراطية، بل يتطلب أنظمة حكم شمولية. الواقع أن ما تعنيه هذه العبارة وأمثالها في الغرب ممّا يتكئ عليه الساسة في تعليل دعمهم الاستبداد، وتسويقه على صعيد الرأي العام، هو، ببساطة، أن ممارسة الديمقراطية، على صعيد الشعوب العربية والإسلامية، لا توصل إلى أنظمة حكم تحقق المصالح الغربية بالأسلوب الراهن الذي تضمنه أنظمة استبداد وفساد، وهو الأسلوب القائم على هيمنة سياسية وأمنية واستغلال اقتصادي ومالي. تحالف الاستبداد فى طبعته الداخلية مع الاستبداد في طبعته الدولية الغربية.
ها هو فهمي هويدي يقارب، في مقالة ضافية له، الفكرة المفتاح في فهم تحديات التحول الديمقراطية، تكمن في تحليل "طبائع الاستبداد" الذي "هو بيت الداء"، ذلك أن الاستبداد في زماننا اختلف في أساليبه عما شهده وعرفه الكواكبي، وإن ظل محوره الرئيسي يكمن في احتكار السلطة والثروة، فلم يعد حاكماً فرداً تحيط به نخبة من المنتفعين، ويمارس سلطانه، من خلال أدوات القمع التقليدية. وإنما صارت للاستبداد أدوات أخرى، تسهم في تكريس القمع والقهر، في مقدمتها حيل القانون ومنصات القضاء وأبواق الإعلام المرئي والمكتوب. بحيث صار الاغتيال المعنوي والسياسي منافساً للاغتيال المادي ومتقدماً عليه، أعني أن الأساليب تطورت، بحيث طرحت ما يمكن أن نسميه الاستبداد الناعم، الذي يجلد بلا سوط، ويقتل بلا قطرة دم.
وهاهو كاتب آخر يلخص الأمر فى صناعة الاستبداد "مباركة الاستبداد وإهانة العباد دليل على خضوع العالم لسياسة الأوغاد". لو قدر للشيخ عبد الرحمن الكواكبي أن يقوم من قبره، لقال في الاستبداد ما لم يقله في "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد"، لأن استبداد هذا الزمان خلاف كل استبداد عرفه تاريخ البشرية، يحظى بمباركة من يحسبون على الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات العامة والحق والقانون والعالم الحر، وعشرات الشعارات الرنانة التي كشف الواقع تهافتها.
نقول لكل هؤلاء الذين يرادفون بين المستبد والاستقرار، ويجعلونه الخيار الآمن والدائم، تلك ليست المعادلة، الفوضى أم الاستبداد، وليس ما ينتج عن الاستبداد إلا استقراراً زائفاً يتغافل عن مطالب الشعوب وضروراتها، فالاستبداد هو الذي يشكل معامل الإرهاب المحتمل والعنف المصطنع، من جراء مظالم تنتشر ومساحات غضب تمتد وروح ثأر وانتقام كامنة قابلة للانفجار، وتفريخ حشود اليائسين والمحبطين، وقد قبرت آمالهم ووئدت أشواقهم، والتى تتحول إلى مشروعات هجرة غير شرعية، ستقض مضاجع الدول الغربية، وتكسر عليهم أبوابهم من شدة طرقهم. هذه منتوجات مصانع، شيّدوها مع حراسهم المستبدين. أما آن للغرب أن يفهم أن الاستبداد بيت الداء، ليس على أوطاننا، بل كذلك على أوطانهم.

العربى الجديد

1 التعليقات:

 
الحصاد © 2013. All Rights Reserved. Powered by Blogger Template Created by Ezzeldin-Ahmed -