وائل قنديل

بعد سبعة أسابيع فقط من تسلم الدكتور محمد مرسي منصبه رئيسا للجمهورية، كانت الدعوة للانقلاب عليه، وعزله من الحكم، قد صدرت من معسكر المرشح الخاسر، الهارب، أو المُهّرب إلى دولة الإمارات، ووفرت أجهزة الدولة العميقة، جيشاً وشرطة وقضاء وإعلاماً، كل أشكال الدعم لمطلقيها. وبالفعل، كانت الصورة المضحكة عند المنصة، على مقربة من مقر وزارة الدفاع، ومقر الأمن الوطني تشي بألغاز عديدة، ذلك أن عدد سيارات الإسعاف والتأمين المخصصة للحدث كانت تفوق عدد المتظاهرين، غير أن اللافت، وقتها، أن التظاهرة الأقرب إلى المسخرة كانت ترفع صور وزير الدفاع في ذلك الوقت، المشير حسين طنطاوي، ولافتات بذيئة تهاجم الحكومة القطرية، وتهتف بحياة حكومة الإمارات. كان المشهد من العبثية والابتذال ما لم يدفع أحداً إلى الانتباه والتفكير في أن هذه بداية مبكرة جدا للثورة المضادة، والعزم على الإجهاز على فكرة التغيير بعد ثورة يناير، ثم بدأت الأمور تتضح شيئاً فشيئاً، عقب إعفاء وزير الدفاع ورئيس أركانه، ومدير المخابرات العامة، بعد مذبحة الجنود في رفح، إذ انطلقت حملات يتبناها إعلاميون ومثقفون، أمضوا جل حياتهم فيما اعتبروه نعيم الحكم العسكري، تدعو إلى توكيل الجيش بإدارة شؤون البلاد. ولم يكن من قبيل المصادفة، في ذلك الوقت، أن تغرق شوارع القاهرة بإعلانات مبهرة عن إطلاق محطة إذاعية جديدة على موجة "إف إم"، تحمل اسم "راديو 9090"، تجتذب إليها كل أصوات نجوم شاشات الثورة المضادة، وتغطي بتوسع كل الفعاليات الخاصة بتظاهرات مناهضة لحكم الرئيس مرسي، وسريعاً تجمعت المعلومات، لتكشف أن المحطة الجديدة التي ينفق عليها ببذخ يصل إلى حد السفه تتبع المخابرات الحربية، بعد تعيين مديرها، عبد الفتاح السيسي، وزيرا للدفاع. تقريباً، كان إطلاق راديو "9090" متزامنا مع إطلاق ما عرفت بجبهة الإنقاذ، وتكوين حملة "تمرد" واشتعال حملات التحريض على محاصرة قصر الاتحادية، وعزل الرئيس المنتخب، بما يشير إلى أن المنتجات الثلاثة صنعت في ورشة واحدة، في إطار مشروع كان يرى 25 يناير 2013 موعداً مناسب لإطاحة الرئيس، غير أن ثمة تعقيدات حالت دون ذلك، فتم التأجيل إلى 30 يونيو/ حزيران. إن شهادات عديدة من معسكر ثوار يناير بدأت تظهر الآن، ناطقة بخبايا وأسرار المؤامرة أو المقاولة، التي ضلع فيها أسماء ورموز كثيرة محسوبة على الثورة، ممن قرروا العمل في خدمة الانقلاب العسكري والثورة المضادة، وتضم القائمة نوابا سابقين وسياسيين، جرت مكافأة بعضهم، مؤقتاً، بعد نجاح الانقلاب. أخذ هؤلاء "الرموز" على عاتقهم مهمة تسليم ميدان التحرير للثورة المضادة، ونشطوا في محاولات تجنيد شباب يناير للانخراط في مشروع الانقلاب على الثورة، ولعبوا أدواراً في عمليات الإغواء والتجنيد والتسليح، كوكلاء عن مهندسي الثورة المضادة القابعين خلف الستار، يديرون ولا يظهرون، وقد سجلت الناشطة غادة نجيب شيئاً من ذلك، بشكل عابر. والآن، يدشن الناشط الشاب، مهند سمير، شهادته في هاشتاج يحمل اسم "وسخات ميدان"، يكشف فيه، بالأسماء والتواريخ والأرقام، حجم المؤامرة التي نفذها "وجهاء يناير" ممن ارتضوا أن يلعبوا أحط الأدوار، لقتل أعظم ثورة شعبية في تاريخ المصريين. وإذا وضعت شهادات الثوار الذين استعصوا على غواية "مقاولي الانقلابات" إلى جانب اعترافات تلك الاعترافات العكاشية لجحافل الثورة المضادة، فإنك لن تحتاج جهداً كبيراً، لكي تدرك أن كل الكلام أن "30 يونيو" كانت موجة مكملة، أو تمت لثورة يناير بقرابة من أي نوع، هو استمرار لعمليات الخداع والنصب السياسي، من الذين قرروا السقوط وهم في كامل وعيهم، من النخب السياسية التي استبدت بها الكراهية إلى درجة إحراق كل ما اخضر، وهدم كل ما ارتفع. يمكنك أن تلتمس العذر لشباب وثق في رموز مزيفة، مارست عليها أبشع عمليات نهش الوعي، فقادته إلى العمل في خدمة من قتلوا أحلامه. لكن، ما هو عذر هؤلاء "الرموز" ممن يعرفون حساب المآلات والمصائر في الثورات الشعبية؟

العربى الجديد

0 التعليقات:

Post a comment

 
الحصاد © 2013. All Rights Reserved. Powered by Blogger Template Created by Ezzeldin-Ahmed -