وائل قنديل

من يشاهد إسراء الطويل بعكازها، ويقرأ عن إحالة زميليها، صهيب وعمر، إلى المحاكمة العسكرية، ويتابع عمليات القتل اليومية لمحبوسين ومعتقلين بلا ذنب، ثم يواصل السباحة في مستنقعات الكلام العفن عن الذي خان أولا، جدير به أن يتطوع فوراً في مليشيات المكارثية السيسية، ويعلن، بوضوح، أنه راض وسعيد بكل هذا القبح، وكل هذا الظلم، وكل هذا العار القومي. القضية باتت من الوضوح بما لم يعد يكفي لستر عورات هؤلاء المختبئين خلف الحوارات العقيمة عما يدور داخل جماعة الإخوان، وينفخون في نار النزاعات بين الشباب والشيوخ، أو يتلهون بالنبش في الملفات الشخصية لهذا أو تلك، ويفتعلون معارك عبثية صغيرة، تصرف الأنظار عن المعركة الأساسية والأهم، وهي مواجهة هذا الاندفاع الجنوني نحو قتل كل ما هو محترم وحقيقي ونبيل في مصر. كفّوا عن شغل أنفسكم بالتفتيش في الأرشيفات، وفكّروا في الحاضر والمستقبل، فلن يفيد مصر ولا ثورتها أن تخاض معارك الماضي بكل هذه الهمة والحماسة، فيما تترك هندسة المستقبل للعصابة التي تحكم وتدير وتجرف التربة المصرية من إنسانيتها وثورتها. نجح الانقلاب، منذ أن غنت حناجر ملوثة بالكراهية المقيتة ضد "الكائن الإخواني"، وقدمت خدمات جليلة لهذا "الأبارتهايد" العنصري الذي ظل ينمو ويتوغل، حتى وصل إلى مرحلة "أنتم شعب ونحن شعب"، واكتسبت العصابات المتربصة بالثورة مساحات هائلة، من خلال الدفع بوجوه من التحرير، لكي تشعل الحروب الأهلية والطائفية والأيديولوجية، داخل معسكر يناير. الذين لا يتذكرون القيم الإنسانية، إلا حين يلحق بأصدقائهم وإخوانهم في الأيديولوجيا الأذى، هم أول من يطيل عمر هذا الانقلاب، ويدعمه على نحو يفوق ما يقدمه الانقلابيون الصريحون أنفسهم. أقول هذا، والذكرى الأولى لرحيل قديس اليسار النبيل، أحمد سيف الإسلام، أو أحمد سيف الإنسانية، تعبر، من دون أن يحاول أحد ممن يدعون الانتساب إلى مدرسته، في حقوق الإنسان والسياسة، أن يتعلم شيئا منه، أو ينظر إلى نفسه في المرآة، ويتفحص ملامح وجهه المغطى بكل مساحيق الفاشية والمكارثية، ويراجع نفسه، ويتحسس مواقع قدميه، ويكتشف أنه في الصفوف الأولى لدعم سلطة القتل والقمع، حين يتشبث بتلك التصنيفات الوضيعة التي تقسم الشعب الواحد إلى فئتين وطائفتين ومعسكرين. ولينظر الذين سخروا أصواتهم وأقلامهم، كتابة وغناء مجانياً لمشروع ذبح الكائن الإخواني، كما تذبح الخراف، أين هم الآن، ستجد غالبيتهم في السجون والمنافي، ومن بقي منهم ستراه محتقرا منبوذا، في دولة الأوغاد المنتقمين التي تنظر إليهم باعتبارهم "عبيد إحساناتها"، أو تريد استعمالهم كالعبيد الملونين في خدمة ملك السيد الأبيض. بات شيئا ممجوجاً أن ينتقل الاستقطاب العنصري الأيديولوجي إلى داخل السجون والمعتقلات، فيصبح التعاطف ملوناً بلون الانتماء الفكري والسياسي، وتتأسس حملات المطالبة بالحرية على أسس حزبية وشللية، وتداس كل المعاني النبيلة تحت الأقدام، وهذا ما يتوخاه النظام، طوال الوقت، أن يظل ممسكا بخيوط اللعبة، منتشياً ومستمتعاً بحرب الكل ضد الكل، داخل المعسكر الآخر. شهدت الفترة الماضية دعوات ونداءات وصرخات وحوارات، بحثاً عن "اصطفاف سياسي" من دون أن يسفر ذلك كله عن شيء ملموس، لاعتبارات عديدة، منها ما يتعلق بهذا التلوث القيمي، الذي لا يزال مهيمناً على قطاعات عديدة، ومنها ما يتعلق بنجاح سلطات الانقلاب في اختراق حركات ومجموعات ثورية عديدة، لاستخدامها في قطع الطريق على كل محاولة جادة للاجتماع مجددا على أرضية يناير. وما دام ذلك كذلك، فإن واجب الوقت، الآن، هو البحث عن "اصطفاف إنساني"، يضع لنفسه برنامج عمل بسيطاً ومحدداً، يتبنى مهمة إحياء الضمائر الميتة، وتلك المعطلة، لغوث أكثر من ستين ألف مصري، تتم تصفيتهم خلف الأسوار، من دون أن يجرؤ أحد على فعل أي شيء يتصدى لهذا البشاعة. تذكّروا جيدا أن ثورة يناير بدأت وقفة محدودة من أجل شاب مات تعذيباً على يد الدولة البوليسية، اسمه خالد سعيد، ثم اتسعت رقعة الغضب الإنساني، مع تصفية شاب آخر هو السلفي، سيد بلال، حتى اكتملت الثمرة بإعلان مطلب التغيير السياسي، والتخلص من نظام الفساد والقتل والتعذيب. كم ألف خالد سعيد، وكم ألف سيد بلال قتلوا ويقتلون يوميا، بينما الجميع مشغولون بحواديت" الإخوان والإكس الإخوان". استعيدوا ضمائركم، أو كونوا "إكس إنسان"

العربى الجديد

0 التعليقات:

Post a comment

 
الحصاد © 2013. All Rights Reserved. Powered by Blogger Template Created by Ezzeldin-Ahmed -