ياسر البنا كاتب وصحافي فلسطيني مقيم في قطاع غزة

تمتلئ كتب "التنمية البشرية" بقصص النجاح (المُلهمة)، لمشاهير العالم وأثريائه وقادته، الذين نجحوا في "إخراج المارد من داخلهم"، و"تسلّق قمة الجبل"، و"قهر المستحيل"، و"صناعة الفارق"، ونقش أسمائهم في "سجل الخالدين"، إلى آخر هذه العبارات المنمّقة. يقول مؤلفو تلك الكتب إنهم يعرضون هذه القصص بهدف "التحفيز"، ودفع فئة الشباب تحديداً، إلى محاولة "تقليد الناجحين"، وعدم الاستسلام لليأس، ولرفع همتهم وروحهم المعنوية. لكننا إذا تمعنا قليلا في نوعية هذه القصص، نجد أن غالبيتها صُنعت في أميركا (هكذا رأيت من قراءتي عدة كتب مترجمة، ولاطلاعي على بعض ما ينشر عبر شبكة الإنترنت)، أي أنها حدثت في "بلاد الفرص"، حيث الإمكانات الهائلة، واللامحدودة، وحيث يستطيع أي مجتهد مثابر أن يحقق نجاحات كثيرة.

هذا يعني، من وجهة نظري، أن غالبيتها قصص نجاح عادية، وليست "مُلهمة"، كما يقولون، وأن إمكانية تكرارها، في أماكن أخرى، ليست أمراً سهلاً، إلا إذا توفرت الشروط نفسها. ففي المناطق المُعدمة، لا توجد "قمم" أصلا، كي يتسلّقها الشاب، والمارد الذي بداخلهم، إما أن يكون قد هرم ومات، أو فرّ إلى الخارج منذ زمن، ولا جدوى من محاولة إيقاظه. وعليه، يتحول عرض هذه القصص بشكلها الحالي إلى "أدوات تعذيب" للشباب، بدلا من أن تصبح "أساليب تحفيز".

أقرأ حاليا في كتاب "نقطة تركيز"، للأميركي براين تراسي، وهو إصدار قيّم للغاية، ويحتوي قصص نجاح كثيرة.

لكنني حينما أفكر بأن إطلاع بعض الشباب في منطقة منكوبة "كقطاع غزة"، مثلاً، على مضمون هذه القصص، قد يزيد من حماس الشباب، ويرفع من طاقته وهمته، أجد أن الأمر مثير للضحك، والسخرية، بل أرى أن العكس صحيح؛ بمعنى أن نشر بعض قصص النجاح في البلاد المنكوبة، هو القادر على تحفيز باقي شعوب العالم، لأنها ستكون بصدق قصصاً إيجابية.

فقصة نجاح شاب في بيئة فقيرة، مُحاصرة، معدمة، هي القادرة على إلهام الشباب في كل مكان، وتشجعيه وتحفيزه، لأنه سيكون كالكف التي ناطحت المخرز، وانتصرت عليه. سأعطيكم مثالاً، من غزة، وسأروي باختصار قصة الفتاة، حنان عبد الغفور.

تنتمي حنان لأسرة فقيرة، وتسكن مع أهلها في بيت مسقوف بالصفيح، وعلى الرغم من ذلك، نجحت في امتحانات الثانوية العامة، وحصلت يوم الجمعة الماضي على معدل 98.1%، وتستعد حاليا لدراسة الطب.

للوهلة الأولى، تجد أن هذا طبيعي. لكن، ليس هذا كل شيء، فحينما تعرف أن حنان انتشلت، العام الماضي، من تحت أنقاض منزلها الذي دمرته إسرائيل في الحرب على غزة، ستعرف أن الأمر فعلا مختلف.

أيضا، ليس هذا كل شيء، فقد عانت الفتاة، خلال الدراسة، من التشرد مع أسرتها ستة شهور، ثم اضطرت للعودة إلى منزلها المدمر، بعد إصلاح بعض غرفه بواسطة ألواح خشبية، وبعض الأقمشة والنايلون، ودرست وسط الحر والبرد الشديدين، في بيئة فقيرة، وغير صالحة إطلاقا للدراسة، لكنها تمكنت من تحقيق هذا الإنجاز الكبير الذي يعجز عن تحقيقه مترفون كثيرون.

أزعم أنها قصة "مُلهمة"، بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

حبذا لو اتجه "خبراء" التنمية البشرية العرب، وما أكثرهم اليوم، إلى تدوين هذه التجارب والقصص المحلية، والتوقف عن اتحافنا بالقصص المترجمة، عن كيفية جمع بعض أصحاب المليارات أموالهم، فتلك القصص "مُلهمة" لشباب تلك البلاد التي وقعت أحداثها فيها فقط. ونتمنى أن يتوقفوا كذلك عن ترديد العبارات الممجوجة، فالشباب ليس بحاجة إلى من "يُنظّر" عليه، ويتهمه ضمناً بالفشل والكسل، ولا إلى من يطلب منه أن "يصعد الدرج بسرعة، من دون أن يتأمله"، ولا من يعلّمه كيف يكون أكثر تفاؤلاً.


العربى الجديد

0 التعليقات:

Post a Comment

 
الحصاد © 2013. All Rights Reserved. Powered by Blogger Template Created by Ezzeldin-Ahmed -