وائل قنديل

هل جاء الوقت على نقابة الصحافيين المصريين، لكي تسلك باعتبارها جزيرة منعزلة عن المجتمع، وتتخندق في همومها الخاصة، بعيداً عن هموم الناس؟ الموقف الذي يعبر عنه نقيب الصحافيين الحالي، الزميل المحترم يحيى قلاش، بشأن قانون الإرهاب الذي أعده نظام السيسي للفتك بكل معارضي السلطة، وإبادتهم، يشي بأن مسوغات النقابة في اعتراضها على بعض مواد القانون فئوية، تتعلق بالمصالح الضيقة للجماعة الصحافية فقط، وليذهب الآخرون إلى الجحيم.

تصريحات قلاش لصحيفة "اليوم السابع" أعادتني إلى أيام النقابة الجميلة: يونيو/ حزيران 1995: كانت أول معركة لنقابة الصحافيين المصريين، ضد تغول السلطة على حريات المجتمع، أشارك فيها وفي جيبي كارنيه عضوية النقابة. في ذلك الوقت، كان الزميل يحيى قلاش، عضو مجلس النقابة، يبلي بلاء حسناً في إطار ما يمكن اعتباره "الكتلة الثورية" في مجتمع الصحافيين، في ملحمة التصدي لقانون حسني مبارك "لقتل الصحافة وحماية الفساد"، كما اشتهر في ذلك الوقت.

خاضت الجمعية العمومية لنقابة الصحافيين ضد القانون 93 لسنة 1995، انطلاقاً من أن القانون لا يقضي بحبس الصحافي فقط، في قضايا النشر، بل يحبس القارئ أيضاً. وبالتالي، تخوض النقابة هذه المعركة دفاعاً عن المجتمع، عن الشعب ومصالحه، وليس دفاعاً عن حقوق فئوية، تخص معشر الصحافيين فقط. وعلى هذا، أطلقت النقابة نفير الحرب ضد القانون، داعية فئات المجتمع كافة، للانضمام لنضالها ضد القانون الذي يهدد حريات الجميع، وبالتالي، فالمعركة من أجل مصر، لا من أجل نقابة الصحافيين.

اعتبرت الجماعة الصحافية المصرية العاشر من يونيو/ حزيران عيداً لها، حيث انطلقت المعركة التي انتهت بإسقاط القانون الجائر، والانتصار للمجتمع، قبل النقابة. وها نحن قبل أيام من "العيد"، وقد صار "الشاب " يحيى قلاش في معركة 1995 شيخاً لقبيلة الصحافة في 2015، تصفعك تصريحاته لموقع "اليوم السابع"، وما تحمله من ملامح انكماشية للنقابة، بمعزل عن هموم المجتمع.

وبنص التصريحات "قال يحيى قلاش نقيب الصحافيين، إن اعتراضهم ليس على مشروع قانون مكافحة الإرهاب بأكمله، ولكن معركتهم تتعلق بالمواد المتعلقة بالصحافة، والقيود التي فرضها القانون على الحريات". وأضاف قلاش لـ"اليوم السابع"، أن مشروع القانون الجديد الذى تم إقراره تم تضمينه خمس مواد تنال من حرية الصحافة، وخاصة المادة 33، مشيراً إلى أن لديهم ملاحظات على تلك المواد، ولكن المادة 33 هي التي تتعامل مباشرة مع النشر وتعد المادة الوحيدة الفجة".

يذكر الزميل قلاش أن نظام مبارك حين حاول تمرير قانونه الجائر، قبل عشرين عاماً، اعتمد على تكتيكات الوقيعة بين الصحافة والمجتمع، مروجاً الفرية الشهيرة التي تقول إن الصحافيين يريدون أن تكون "على رأسهم ريشة". وعلى الرغم من ذلك، لم يخذل الناس النقابة في كفاحها، والتفت حولها قطاعات واسعة من المجتمع.

وأظن أنه على النقابة أن ترد الجميل للمجتمع، وتدافع عن حرياته وحقوقه وكرامته، من دون أن تنكفئ على ذاتها، وتتقوقع داخل جدرانها، غير مبالية، إلا بمواد القانون التي تخص أعضاءها فقط.

أعلم أن الزميل قلاش ينتمي إلى تيار يعتبر الصحافة خندقاً للدفاع عن الناس، لا فندقاً لاستضافة الحاكم، كما أن النقابة بيت الشعب، وليست "جيتو" لأهل المهنة، وأعلم كذلك أن إرهاب السلطة وبطشها وقمعها بلغ حدود الجنون، لكني أعلم أيضاً أن سلم نقابة الصحافيين، وقاعاتها، صارت من معالم ثورة المصريين على الظلم والفساد والقمع، وأتمنى ألا تخذل النقابة تاريخها، ومجتمعها، وتتركه نهباً لقانون "حماية إرهاب السلطة"، بحجة محاربة إرهاب آخر، صنعته هذه السلطة على عينيها، وأطلقته في وجه الجميع.

لا صحافة حرة، من دون مجتمع حر.. هكذا علمتنا التجارب.


العربى الجديد

0 التعليقات:

Post a Comment

 
الحصاد © 2013. All Rights Reserved. Powered by Blogger Template Created by Ezzeldin-Ahmed -