بلال فضل

لم يصدق إحسان عبد القدوس نفسه، عندما اكتشف أن الرقابة منعت مقالاً هاجم فيه علي ماهر، أول رئيس وزراء بعد ثورة يوليو. أسرع للقاء جمال عبد الناصر شاكياً له الرقيب، لكن رد عبد الناصر فاجأه "الرقيب مظلوم. أنا الذي رفضت المقال، لأن هيبة الحاكم تحتم منع نشره"، فسّر جمال قراره لإحسان فحيّره أكثر: "أنا واثق من إخلاصك، ومتفق معك في أن علي ماهر يجب أن يذهب، لكن حرصي على الثورة يحتم عليّ منع المقال، لأنني لا أريد أن أرسخ في أذهان الشعب أن هناك من يقترح على الثورة فتنفذ اقتراحه، حتى لو كان هو عين الصواب، لا أريد أبداً أن يتصور الناس أن هناك وصاية على الثورة".

لم يكن إحسان وقتها كاتباً عادياً، كان كاتب الثورة الأول الذي ينظّر لها بمقالاته، لكن ضميره جعله حريصا منذ أغسطس/آب 1952 على التحذير من مواكب النفاق التي بدأت تروج فكرة المستبد العادل، فكتب محذرا من خطورة مجيئ رئيس جمهورية له سلطات ملكية، ودعا إلى إلغاء الأحكام العرفية، ورفع الرقابة على الصحف، ومع أنه طالب قادة الثورة كثيراً بترك الجيش، وتشكيل حزب يمثل الثورة، لكنه عندما تم تشكيل هيئة التحرير، ورأى ملامح الحزب الواحد تتشكل، أحس بأن الحرية التي كانت قضية عمره معرضة للخطر. ولذلك، توسع في دعوته إلى الحرية النيابية، وكتب سلسلة مقالات، أشهرها مقاله التاريخي (الجمعية السرية التي تحكم مصر) صارخا بعزم ما فيه في إحدى مقالاته "لا يمكن أن تتجه الثورة إلى إقامة ديكتاتورية عسكرية، وكل من حاول توجيه الثورة إلى هذا الإتجاه غبي، لا يفهم، ولن تنتهي محاولته إلا إلى كارثة"، فكافأه قادة الثورة على دعمه السابق لهم، وعلى نصائحه هذه، باعتقاله في أبريل/نيسان 1953، ورميه في الزنزانة رقم 19 في السجن الحربي، بتهمة قلب نظام الحكم، من دون تحقيق قانوني، وبأمر من الذين كانوا يعتبرونه شريكا أصيلا في الثورة، لكنهم لم يتسامحوا مع خروجه عن الخط المرسوم له.
بعد 95 يوماً في السجن، وبعد أن قاطعت والدته السيدة روز اليوسف أخبار الثورة وقادتها في مجلتها الشهيرة، احتجاجا منها على ما جرى لابنها، ورفضها محاولة عبد الناصر استرضاءها، خرج إحسان من زنزانته ليعود إلى بيته، من دون أن يفهم لماذا أفرجوا عنه، ولا لماذا اعتقلوه، وحين عاد إلى بيته كانت أول مكالمة يتلقاها من عبد الناصر، بدأت بسؤال ضاحك وصادم "هاه، اتربيت ولا لسه يا إحسان؟"، قبل أن يدعوه إلى سلسلة غداءات، قال له إنها تهدف إلى علاجه نفسياً من آثار سجنه، لكن سلسلة الغداءات لم تغير موقف إحسان، بل زادت من قوته في الدفاع عن الحريات، وحين شجب الاعتداء على عبد الرازق السنهوري في أزمة مارس/آذار 1954. عاد إحسان إلى السجن الحربي من جديد، متهما بقلب نظام الحكم، ومواجها باعتراف ملفق من ساعي في روز اليوسف، أقر بأن إحسان حمله شحنة من الأسلحة لتسليمها إلى مجهول، وقبل أن يكمل إحسان يومه الأول في السجن، فوجئ بمدير السجن يطلب منه أن يرد على مكالمة من عبد الناصر، الذي اعتذر له، وأعطاه عبد الحكيم عامر ليعتذر له، قائلا إنه لم يكن يعرف بما حدث، وأنه أمر بالإفراج الفوري عنه.
عاد إحسان إلى بيته مذهولاً من تعرضه لهذه المهانة، ومتسائلا عما كان سيحدث له لو كان مواطنا عاديا لا تربطه علاقة بقائد الثورة، يقول إحسان في حوار مع الكاتبة أميرة أبو الفتوح: "وزاد من إحساسي بالمأساة القادمة في الطريق أننا لم نكن، وقتها، قد جاوزنا العام الثاني من عمر الثورة التي قامت لتحرير الإنسان المصري من كل قيد، ولكي ترد للمواطن المصري إحساسه بالكرامة التي طالما اعتُدي عليها قبل الثورة، فإذا كانت هذه هي حال الحرية ومدى احترامها والحفاظ عليها، ونحن في بداية الطريق الثوري، فما الذي ستنتهي إليه الأحوال بعد عشرة أعوام؟".
لعلك الآن تعرف الإجابة على سؤال إحسان، وما الذي انتهت إليه الأحوال بعد 13 عاما من سؤاله؟ وتعرف أيضا كيف ظلت مصر، منذ ذلك الوقت، تتخبط بين لحظات من الأمل وسنين من الآلام. لذلك، يبقى أن تعرف لرجلك قبل الخطو موضعها، وتتذكّر دائما عاقبة التفريط في الحرية تحت أي مبرر، وتترك تجارب الماضي القريب، لكي تنبهك باستمرار إلى أن الحذر خير من الثقة المطلقة، والتعقل خير من التهليل، والمية تكدب الغطاس، والثورة تكدب الهجاص.
ـ مقتطفات من أحد فصول كتابي "فتح بطن التاريخ"، نُشر 2013

العربى الجديد

0 التعليقات:

Post a comment

 
الحصاد © 2013. All Rights Reserved. Powered by Blogger Template Created by Ezzeldin-Ahmed -