عندى ثلاث ملاحظات على مشاهد الإرهاب التى تابعناها فى مصر خلال الأسبوع الأخير، أرجو أن تتسع لها الصدور. هذه الملاحظات هى:


١ ــ بقدر ارتياحنا للنجاح الذى حققته القوات المسلحة فى صد هجوم المجموعة الإرهابية ودحره فى سيناء، إلا أن مفاجآت الحدث تبعث على الحيرة والقلق. تمثلت تلك المفاجآت فى حجم الهجوم ومستوى الإعداد العسكرى ونوعية السلاح الذى كان بعضه من النوع الثقيل والمضاد للطائرات. ذلك أن السؤال الذى تثيره تلك القرائن هو: كيف ومتى تمكنت تلك المجموعات من توفير تلك الإمكانيات، رغم أن الجيش مسيطر على سيناء منذ سنتين استمرت خلالهما عمليات التمشيط والمداهمة وتصفية أوكار وبؤر الإرهابيين. بكلام آخر، فإنه حين تظهر فى شمال سيناء مجموعة بتلك الكثافة ــ قيل إن عددهم نحو ٣٠٠ شخص ــ مجهزون بالأسلحة النوعية الثقيلة ويطول أمد اشتباكهم مع القوات المسلحة لنحو ١١ ساعة، فمن حقنا أن نسأل: أين جهاز المعلومات، ولماذا غفل أو عجز عن رصد ما تجهزه وتحشده تلك المجموعات خلال السنتين الماضيتين. ويكتسب السؤال أهمية خاصة إذا وضعنا فى الاعتبار أنه تم تدمير الأنفاق الموصلة إلى غزة، والتى كانت تنسب إليها فى الماضى كل الشرور التى تحدث فى سيناء؟ وهو ما يستحق تحقيقا يتحرى خلفيات الجماعات الإرهابية ويعالج الثغرات التى سمحت باستمرارها وتوحشها.


٢ــ عقب اغتيال النائب العام السابق المستشار هشام بركات والهجوم الإرهابى على مدينة الشيخ زويد فى سيناء. وبعدما جرت الإشارة إلى أن القوانين تكبل السلطة وتقيد قدرتها على مواجهة الإرهاب حدث أمران مهمان هما: أن الإشارة لم تخضع للدراسة للتحقق من صوابها، وأن الآلة القانونية تحركت بسرعة لتعديل القوانين بما يطلق يد السلطة فى التعامل مع الإرهاب. صحيح أن رئيس الجمهورية هو من قال إن يد السلطة مغلولة، إلا أن الملاحظة كان يمكن أن تحمل بأكثر من وجه، ذلك أن أهم وظيفة للقانون أن يغل يد السلطة ولا يطلقها. وهو بذلك لا يلقى بالا لسياساتها أو حساباتها. وإنما يرنو إلى إحقاق الحق وإقامة العدل. فضلا عن أن المشرع لا ينشغل بما تريده السلطة لكنه يسعى إلى حماية المجتمع وتوفير ضمانات العدل لأفراده. أما إذا ما قرئت مقولة غل يد السلطة باعتبار أن الالتزام بالقانون يعطل سير العدالة، فينبغى فى هذه الحالة أن تحدد المواضع التى ينطبق عليها ذلك الوصف، وهو ما لم يحدث لأن المعنيين بالأمر تلقفوا ملاحظة الرئيس السيسى دون مناقشة، واعتبروا أنهم بصدد توجيه رئاسى يدعو إلى تغييير بعض القوانين والإجراءات، ومن ثم تصرفوا بناء على ذلك، وهو ما يقودنا إلى الشق الثانى فى الملاحظة الذى يتمثل فى أننا لاحظنا أنه خلال ٤٨ ساعة ظهرت التعديلات المطلوبة، ووافق عليها مجلس الوزراء، وقدمت إلى رئيس الجمهورية لإصدارها، باعتبار أنه يملك سلطة التشريع فى غياب البرلمان.
هذا التسرع فى إعداد التعديلات يعنى أحد أمرين، الأول أنها كانت معدة وموجودة من قبل وتتحين الفرصة للإصدار. الثانى أنه تم «تفصيلها» على عجل فى ضوء ملاحظات الأجهزة الأمنية، دون تمحيص أو دراسة، اكتفاء بتوجيه رئيس الجمهورية. والأمران يبعثان على القلق. فالأول يشير إلى أن ثمة مخزونا من القوانين المعدة سلفا تطلق يد السلطة فى التعامل مع المجتمع. وهذه لا نعرف من أعدها ولا ما هى طبيعيتها وحجمها. أما الثانى فإنه يعيدنا إلى عصر «ترزية» القوانين التى تفصل حسب المزاج والطلب. وتستلهم توجهات السلطة ومزاجها، ولا علاقة لها بمصلحة المجتمع وضمانات العدالة.


٣ ــ أننا فوجئنا بمقتل النائب العام وبعده الهجوم على الشيخ زويد بعد سنتين لم تتوقف فيهما وتيرة العنف، بل بدا أن مؤشراته فى تصاعد، وهو ما يثير السؤال التالى: ألا يدعونا ذلك إلى التفكير فى المراجعة للتثبت من صواب الرؤية السياسية وتصحيح المسيرة؟ وهل نكتفى إزاء ذلك بلوم الآخرين وتعديل القوانين، أم نضيف شيئا نغير به من أنفسنا لكى يتغير الفضاء والواقع الذى نتحرك فيه؟
فى الظروف العادية حين يقوم الحكم على أساس من المشاركة والمساءلة تتولى المؤسسات مهمة المراجعة والتصويب والحساب، ولكن أما وقد غاب كل ذلك واجتمعت كل السلطات فى يد رئاسة السلطة فإننا لم نعد نملك سوى أن نتوجه إليها بدعوى المراجعة ونطالبها بإعادة النظر فى سياساتها قبل أن تفلت الأمور وتخرج عن السيطرة وتصبح مراجعة النفس غير ذات جدوى. ولئن قيل إن شيئا من ذلك يحدث فى اللقاءات التى تتم بين الحين والآخر مع بعض الرموز، فردى على ذلك أن مثل تلك اللقاءات التى تضم الموالين والمهللين الضرر فيها أكثر من النفع، لأنها تدفع المسئول إلى الإيغال فيما هو ماض فيه، ومن ثم تصبح سبيلا إلى الغرق وليس الإنقاذ، أما الحوار الحقيقى الذى يعول عليه فى المراجعة فهو ذلك الذى يتم مع المخالفين وليس الموالين، وأزعم فى ذلك أن المخالفين أصدق وأولى بالاستماع إليهم، لأنهم يدافعون عن المجتمع وعن قيم ومبادئ، الأمر الذى يكلفهم أثمانا باهظة. أما الموالون فإنهم مشمولون بالرضى، ويكسبون الكثير جراء ذلك.


الشروق

0 التعليقات:

Post a Comment

 
الحصاد © 2013. All Rights Reserved. Powered by Blogger Template Created by Ezzeldin-Ahmed -