إيران

يبدو أن الاقتصاد الإيراني الذي يقدر حجمه بحوالى ترليون دولار ويعاني من تقادم التقنيات بسبب الحصار المالي والتكنولوجي الصارم، صيد ثمين للشركات الغربية التي تبحث عن أسواق جديدة، خاصة على صعيد عقود النفط والغاز الطبيعي والطيران وصناعة السيارات والبنوك والسياحة.

فإيران التي يقدر عدد سكانها بحوالى 80 مليون نسمة ويشكل الشباب فيها نسبة كبيرة، ستصبح سوقاً استهلاكية رائجة للبضائع الغربية، خاصة وأنها خرجت للتو من الحظر الاقتصادي العالمي الطويل وهي منهكة وبحاجة إلى تحديث وسائل الإنتاج واستيراد ماكينات جديدة بدل القديمة التي عفى عليها الزمن. وبالتالي يقول خبراء غربيون، إن الاقتصاد الإيراني بحاجة إلى استيراد كل شيء خلال السنوات المقبلة.

وبحساب الربح والخسارة يمكن القول، إن أول الرابحين من صفقة توقيع الاتفاق النووي سيكون الريال الإيراني الذي سيشهد ارتفاعاً كبيراً مقابل الدولار خلال الأشهر المقبلة بسبب تدفق العملات الصعبة.

ومن المتوقع أن تستعيد إيران 80 مليار دولار من أموال مبيعاتها النفطية المجمدة في الخارج في أية لحظة. وبالتالي فإن تدفق السيولة سينعش الريال الإيراني. وإضافة إلى عودة الدولار إلى البنك المركزي الإيراني، سيستفيد الريال من تدفق الشراكات المتوقعة بين الأعمال التجارية الغربية والإيرانية على صعيد الصفقات المشتركة المتوسطة والصغيرة في مجال التقنية والإنترنيت والاتصالات.

وأما الرابح الثاني من هذا الاتفاق، فهو قطاع النفط والغاز الطبيعي. وحسب تقديرات محللين غربيين، فإن قطاع النفط الإيراني وحده بحاجة إلى استثمارات تقدر بحوالى 200 مليار دولار.

وكان مسؤولون إيرانيون قد قدروا في مؤتمر الغاز العالمي الذي عقد بداية يونيو/ حزيران الماضي في باريس وأطلعت "العربي الجديد" على مداولاته، حجم الاستثمارات التي تحتاج إليها إيران في قطاع الغاز الطبيعي بحوالى 100 مليار دولار.

وهذا يعني أن شركات الطاقة العالمية وشركات الهندسة والخدمات النفطية تترقب فتح سوق حجمه 300 مليار دولار خلال السنوات العشر المقبلة.

وتتجه الحكومة الإيرانية إلى منح الأولوية لتطويرإنتاج الغاز الطبيعي الذي يدعم بدرجة كبيرة نفوذها الجيوسياسي في المنطقة وربما لاحقاً في أوروبا، حيث تعاقدت طهران مسبقاً على تصدير الغاز لسلطنة عمان وستبدأ قريباً تصدير الغاز الطبيعي إلى العراق، كما تخطط لتصدير الغاز الطبيعي إلى كل من الكويت والإمارات.

ولدى إيران احتياطات ضخمة من النفط والغاز الطبيعي، حيث تملك رابع أكبر احتياطي نفطي في العالم، ويقدر بنحو 157 مليار برميل، وثاني أكبر احتياطي من الغاز الطبيعي ويقدر بحوالى 1193 ترليون قدم مكعبة، إلا أنها لا تنتج حالياً من النفط سوى 3.2 ملايين برميل يومياً و8.2 ترليونات قدم مكعبة سنوياً من الغاز الطبيعي.

ويذكر أن حقل "فارس الجنوبي" أكبر حقول الغاز الإيرانية، يحتوي وحده على نسبة 40% من إجمالي احتياطي الغاز الإيراني. وكانت الحكومة الإيرانية قد تعاقدت على تطوير هذا الحقل مع شركات غربية، إلا أن الشركات انسحبت من عقود التطوير في أعقاب تشديد الحظر الأميركي. كما فشلت شركات الطاقة الإيرانية في تحقيق تقدم يذكر في استغلاله بسبب ضعف قدراتها التقنية.
وسيمكّن الشروع في تطوير الغاز الطبيعي الإيراني، إيران من الحصول على تسهيلات مالية من البنوك الأوروبية، لأن دول الاتحاد الأوروبي ترغب في استيراد الغاز الإيراني عبر تركيا.

وحسب التصريحات الإيرانية الرسمية التي أدلى بها مسؤولون إيرانيون في باريس بداية يونيو/ حزيران الماضي، فإن إيران ترغب في استغلال سريع لحقل فارس، وقالت إنها مستعدة لاستثمار 50 مليار دولار في مشاريع تطوير الغاز الطبيعي وترغب أن يلبي الشركاء العالميون باقي الاستثمارات المقدرة كذلك بحوالي 50 مليار دولار.

ولكن لا تزال الشركات الغربية تنتظر العقود الجديدة الخاصة بتطوير صناعة النفط والغاز الطبيعي. ويرى غربيون أن جاذبية هذه العقود وما إذا كانت ستمنح شراكة أو تقترب الحوافز الممنوحة فيها من الشراكة في مجال الإنتاج سيكون المحك في سرعة استجابة الشركات الغربية للاستثمار في صناعة الطاقة الإيرانية.

أما الرابح الثالث من هذا الاتفاق، فهو البنوك الإيرانية والنظام المالي العالمي الذي حرمه الحظر الأميركي من إجراء صفقات مالية مع إيران.

ويلاحظ أن المصارف الغربية تعرضت لمجموعة من العقوبات بسبب تحويلات مالية لصالح إيران وتنفيذ صفقات بنكية. وسيعني هذا الاتفاق عودة البنوك للتعامل مع إيران بعد رفع الحظر الأميركي، كما سيعني كذلك أن إيران ستعود لاستخدام النظام المالي العالمي "سويفت" في تنفيذ التحويلات والصفقات المالية وتمرير العمليات البنكية.

أما الرابح الرابع من الاتفاق النووي، فهو شركات صناعة الطائرات التجارية العالمية، حيث تأمل كل من شركتي بوينغ الأميركية وإيرباص الحصول على عقود إيرانية لشراء قرابة 300 طائرة جديدة خلال العقد المقبل، من قبل شركة الطيران الإيرانية الرسمية "إيران أيرويز" والشركات التجارية الأخرى.

ويذكر أن الأسطول التجاري لشركة الطيران الإيرانية الحالي يتكون من 170 طائرة من طراز بوينغ وهو أسطول متقادم يبلغ عمر طائراته في المتوسط 20 عاماً. وحسب صحيفة " فاينانشيال تايمز"، فإن إيران بحاجة إلى قطع غيار وعمليات تجديد عاجلة تقدر بحوالى 7.5 مليارات دولار. لكن شركات الطيران الإيرانية تنوي التعاقد على شراء حوالى 30 طائرة سنوياً خلال الخمس سنوات المقبلة. وهذا يعني أن إيران ستكون أحد أكبر زبائن شركات صناعة الطيران في أوروبا وأميركا.

أما الرابح الخامس من هذا الاتفاق، فهو صناعة السيارات، ويشكل الشباب في إيران نسبة كبيرة من عدد السكان. وهذا يعني أن القوة الشرائية لشريحة الشباب المرتبطة بالغرب ستتجه، مع تحسن دخولها، لشراء الموديلات الغربية خاصة الأوروبية واليابانية.

وبالتالي تعتبر شركات السيارات العالمية أن سوق السيارات في إيران يغري بالاستثمار. وحسب رويترز، فقد تحدثت مجموعة "بيجو ستروين" الفرنسية، عن تنفيذ مشروع لصناعة السيارات مع شريكها التاريخي "إيران خودرو"، خاصة أن طهران تحتاج إلى تجديد أسطول سياراتها.

وقالت مصادر في صناعة السيارات، إن شركات غربية أخرى، منها فولكسفاغن الألمانية وفورد الأميركية اللتان تتأهبان، منذ وقت طويل، للعودة إلى السوق الإيرانية، ولكن حتى الآن لا توجد تأكيدات من قبل الشركتين.

وسيضاف إلى هذه القطاعات، قطاع السياحة في إيران الذي سيجذب مستقبلاً السياح الغربيين، وهو سوق مستقر سياسياً مقارنة بأسواق السياحة المضطربة في تونس ومصر ودول الشرق الأوسط الأخرى.

ولم يعد خافياً أن شركات الطاقة الأوروبية مارست ضغطاً كبيراً على حكوماتها للتوقيع على الاتفاق النووي، لأنها كانت تتفاوض مع حكومة طهران بشأن مستقبل عقود الطاقة، في ذات الوقت الذي كانت فيه حكوماتها منهمكة في دراسة التفاصيل مع الوفد الإيراني في فيينا.

ويرصد خبراء ازدحاماً كبيراً لرجال الأعمال الغربيين وممثلي الشركات الكبرى في مطارات دبي وأبوظبي، هذه الأيام.

وبعد أن كانت الزيارات إلى طهران سرية، ستتحول إلى علنية خلال الأسابيع المقبلة، خاصة وأن الرئيس الأميركي باراك أوباما، قد ضمن تنفيذ الاتفاق عبر تأكيده أنه سيستخدم حق الفيتو في حال معارضة الكونغرس.


العربي الجديد

0 التعليقات:

Post a comment

 
الحصاد © 2013. All Rights Reserved. Powered by Blogger Template Created by Ezzeldin-Ahmed -