السعودية

منذ أكثر من 80 عاماً، ما زالت الأنظمة في السعودية غير قادرة على الحد من العنصرية في البلاد، التي ما زالت تُلقي بظلالها على كثير من القضايا المحلية. في هذا الإطار، لم يكن مفاجئاً أن ترفع امرأة سمراء البشرة دعوى قضائية ضد سعوديّة وصفتها بلفظ عنصري. مثل هذه الألفاظ تنتشر بقوة في المجتمع، وطالت حتى مباريات كرة القدم ولاعبي الأندية.

تُحاولُ الجهات المعنية وضع حد لانتشار هذه الظاهرة التي تهدّد المجتمع. حتى إن الملك سلمان بن عبدالعزيز تدخّل لمعاقبة أمير وصف أحد الإعلاميين بأنه "طرش بحر"، وهي كلمة تعني القادمين من وراء البحار، الذين ليسوا من سكان البلاد الأصليين، ومَنَعه من الظهور في أي وسيلة إعلامية أو دخول الملاعب الرياضية.

لكن تبقى هذه الحالات موجودة في المجتمع في ظل غياب أي قانون يجرّمها، الأمر الذي يطالب الحقوقيون به. ويؤكّد إمام الحرم المكي، الشيخ عادل الكلباني، أن العنصرية "صفة سيئة"، مشدداً على أنه "ليس على المرء إلا أن يُغضب الإنسان العنصري لتنكشف عنصريّته سريعاً". ولدى تعيين الكلباني إماماً للحرم المكي الشريف قبل نحو عامين، سمع الكثير من النعوت العنصرية، بسبب لون بشرته. يضيف أن "البعض لم يتقبلوا أن يكون إمام الحرم أسود البشرة".

من جهته، يُشدّد الناشط الحقوقي، خالد السعيدن، على أنه من حق كل إنسان أن يفتخر بانتمائه وعرقه. لكن الاعتزاز والفخر بالنسب والانتماء شيء، والتعالي على الآخرين وتحقيرهم وتصغيرهم شيء آخر. يقول لـ"العربي الجديد" إن "المشكلة تكمن في أنه من يتفاخر بأسلافه ويتغنى بأمجاد آبائه، يتعامل مع الآخرين كما لو أنه أحد صناع هذه الأمجاد، علماً أنه ربما يكون قد عجز عن تحقيق بعض الأمور، فيسعى إلى تغطية فشله من خلال الإساءة للآخرين".

من جهته، يقول أستاذ علم الاجتماع، سعد السماري، إن "ظهور أحدهم في قناة تلفزيونية للتفاخر بقبيلته، والتأكيد على أنها صاحبة الفضل في تميّزه بصفات الجود والشجاعة والمروءة والنجاح، يعني أنه عنصريّ. إذ إن هذا الإنسان يعتقد أن أصله هو سبب تميزه، لا ما يقدّمه للمجتمع، ما يدفعه إلى إطلاق الأحكام على الذين لا ينتمون للأصل نفسه".

ويشدد على أن "الافتخار بالقبيلة والنقاء العرقي هما أصل العنصرية. فعندما يعتقد المرء أن أصله نقي بعكس آخرين، يعني أنه عنصري". يضيف أن "الله لم يخلق أصنافاً ممتازة من الناس وأخرى رديئة، بل خلقهم جميعاً سواسية". ويستغرب عدم اتخاذ المؤسسة الدينية موقفاً محدداً من هذه العنصرية، التي تعزز هذا التوجه، من خلال إجبارها زوجين على الطلاق لأن الزوج لا ينتمي إلى قبيلة الزوجة، على سبيل المثال.

في السياق، يؤكد حقوقيون أن المساواة والعدالة بين الناس تعد أحد أهم المطالب لاستقرار أي بلد، ويجب أن يشعر الجميع بأنهم سواسية، ومن يخطئ سيعاقب، سواء كان الضحية من السكان الأصليين أو مجنساً. يقول الناشط الحقوقي عبدالعزيز الشدي إنه "في حال أردنا تعزيز روح الوطنية في المجتمع، يجب أن يشعر الناس بأنهم ينتمون إلى وطن واحد، ومتساوون في الحقوق والواجبات. وعندما يتعرضون للإساءة، يكون القضاء إلى جانبهم. ولتحقيق هذا الأمر، يجب وضع نظام لمكافحة العنصرية والتمييز، دعماً للمساواة والعدالة. لكن للأسف، لا توجد قوانين رادعة أو واضحة تحدد عقوبة العنصرية".

ويشدّد على أن "هناك شكاوى من تلاميذ في المدارس والأساتذة بسبب ممارسات عنصرية. وينسحب الأمر على أماكن العمل أيضاَ". يتابع أنه "يجب وضع أنظمة تحمي حقوق الجميع وتكفل لهم العيش السويّ. ولا يكمن الحل في تجاهل المشاكل والشكاوى من دون حلها، خصوصاً أن العقوبة التي قد يقترحها النظام ستكون مستمدة من الدين الإسلامي، على غرار نظامي مكافحة الرشوة والتزوير".

الصورة ليست قاتمة دائماً، فهناك جيل جديد يحاول التخلص من هذه الأفكار. فقد كشفت وكالة الأحوال المدنية السعودية عن تلقيها طلبات من مواطنين يرغبون في حذف أو استبدال أسماء قبائلهم في بطاقات الهوية الوطنية عند التجديد. يسعى هؤلاء إلى التخلص من عبء القبيلة والتعصّب، لكنهم مجرد أقلية.

بطبيعة الحال، ولأن السعودية مجتمع قبلي، لن يكون التغيير سهلاً. وربّما سيبقى عدد كبير من المواطنين يُعدّدون مزايا قبائلهم التي تمدّهم بالقوة، وربما تمنحهم شعوراً بالتفوّق على آخرين ينحدرون من قبائل أخرى، لا تتمتع بالمزايا نفسها.

العربي الجديد

0 التعليقات:

Post a Comment

 
الحصاد © 2013. All Rights Reserved. Powered by Blogger Template Created by Ezzeldin-Ahmed -