الكاتب الصحفي والمفكر السياسي :فهمي هويدي

حين ألغت السلطات المصرية الاتفاق الذى تم مع الشركة الإماراتية التى رشحت لتنفيذ مشروع العاصمة الجديدة، فقد كان ذلك موقفا حازما يستحق التقدير، لكننا بحاجة لأن نتسلح بالشجاعة الكافية التى تمكننا من إعادة النظر فى المشروع برمته للتحقق من جدواه من ناحية ولتحديد موقعه فى ترتيب الطموحات المصرية ثانيا.

أزيح الستار عن ذلك الفصل من قصة العاصمة فى الأسبوع الماضى. بعد عدة أسابيع من التسريبات التى تحدثت عن تعثر المشروع وظهور عقبات فى التمويل، إلى أن انتهى الأمر بإلغاء الاتفاق مع الشركة الإماراتية وبدأ الحديث عن قدرة الشركات المحلية على تحمل مسئولية تنفيذه على مراحل مختلفة.

أيا كانت التفاصيل. فالشاهد أننا اكتشفنا فى مصر بعد ثلاثة أشهر من توقيع العقد فى منتصف شهر مارس الماضى (أثناء انعقاد مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادى) أن المشروع الذى قيل إنه يتكلف ٤٥ مليار دولار لم يدرس جيدا، سواء لأن الشركة الإماراتية لم تكن جاهزة لتحمل مسئولية تمويل تنفيذه. أو لأن التفاهم بين الطرفين المصرى والإماراتى شابه سوء الفهم. وهناك كلام عن أن الاتفاق انبنى على معلومات مغلوطة تم اكتشافها فى وقت لاحق، وجرت محاسبة بعض الأطراف بخصوصها. وهى خلاصة إذا صحت فإنها تشير إلى أن التعجل لعب دورا حاسما فى الإعلان عن الاتفاق، باعتباره مشروعا عملاقا يضاف إلى رصيد الإنجازات على الأقل فى عناوين الصحف وفى محيط الرأى العام.

يبدو أن الاستعجال لازم الفكرة من بدايتها وليس فقط فى طور تنفيذها، إذ رغم أنها لم تكن جديدة وترددت فى أروقة السلطة منذ عهد الرئيس الأسبق حسنى مبارك. إلا أنها لم تؤخذ على محمل الجد فى حينها، لأنها ما إن أعلنت حتى استبعدت. إلا أن المفاجأة التى تكشفت أخيرا أن مشروع العاصمة الجديدة لم يعرض على هيئة المجتمعات العمرانية قبل إطلاق فكرته، وهى الهيئة التى ينص قانونها على أنها «جهاز الدولة المسئول عن التنمية العمرانية». وهو أمر يثير الدهشة ويستدعى العديد من علامات الاستفهام حول الجهة الغامضة التى أقرته. متجاوزة بذلك الجهاز الذى أنشأته الدولة خصيصا لدراسة مثل هذه الأمور. ولا تفوتنا فى هذا الصدد ملاحظة أن المشروع حين أعلن فإنه قوبل بعاصفة من النقد من جانب عدد غير قليل من أهل الاختصاص، الذين انصبت انتقاداتهم على المبدأ والوظيفة والجدوى فضلا عن ملاءمة طرحه فى الوقت الراهن. ورغم أن الرأى المتداول فى أوساط السلطة يرى الآن أن شركات المقاولات المحلية يمكن أن تتولى التنفيذ، إلا أن هذه المعلومة أيضا تحتاج إلى تحقيق، لأننى سمعت من بعض المختصين أن عبء المدينة الجديدة يفوق القدرة التمويلية لشركات المقاولات المحلية.

كأننا بتنا أمام مشروع مستقبلى كبير أطلق فى الفضاء فجأة، دون أن تدرس فكرته وجدواه جيدا، ودون أن يأخذ تنفيذه حقه من الدراسة. ومن حق المجتمع فى هذه الحالة أن يتلقى إجابة شافية على الأسئلة التى تثار على هذين الصعيدين لكى يتعرف على الآلية التى يتم من خلالها إصدار أمثال تلك القرارات الكبيرة. وليس المقصود هو التلاوم والمساءلة، لأن الأهم هو أن يطرح المشروع على الحوار المجتمعى، على الأقل فى دوائر الاختصاص والمعنيين بالتنمية العمرانية.

وإذا كانت إعادة مناقشة الفكرة وكيفية تنفيذها من جانب المختصين ضرورية، فإن مناقشة موقعها فى ترتيب الأولويات واجبة أيضا من جانب خبراء التخطيط والاقتصاد. وقد سمعت من أحدهم قوله إن مصر لا تملك ترف إقامة عاصمة جديدة للأثرياء بعد خمس أو سبع سنوات، فى حين أن فى البلد نحو ألف مصنع على الأقل متوقف عن العمل وبحاجة ماسة إلى إعادة التشغيل، ذلك غير الحالة المزرية للخدمات الأساسية التى تقدم للناس فى مجالات الصحة والتعليم والإسكان وغيرها.

أضاف صاحبنا أن الخلل فى التفكير وصل إلى حد التركيز على التنمية العقارية فى حين أن التنمية فى مجالات الإنتاج الصناعى والزراعى أكثر إلحاحا.

هذا الكلام نموذج لوجهات النظر الأخرى التى ينبغى أن تسمع، خصوصا أنها لا تعبر عن رأى فرد ولكنها صوت قطاع لا يستهان به من الخبراء الذين نشرت الصحف تعليقاتهم خلال الأسابيع الماضية. وهى من قبيل الأصوات التى تؤيد المفارقة التى سبق أن نوهت إليها، والتى فى ظلها لا يكف الخطاب السياسى عن امتداح الشعب العظيم فى الخطب، فى حين يتم تجاهل ذلك الشعب ونسيان دوره وعظمته حين يتعلق الأمر بالقرارات المصيرية.

فى السياسة تظل المراجعة فضيلة مستحبة أو واجبة، لكنها حين تتسم بالعناد فإنها تتحول إلى شىء آخر هو إلى التياسة أقرب.

الشروق

0 التعليقات:

Post a Comment

 
الحصاد © 2013. All Rights Reserved. Powered by Blogger Template Created by Ezzeldin-Ahmed -