أغلب الظن أن المصادفة وحدها هى التى جمعت تلك الأحداث فى يوم واحد. كانت صحيفة الصباح قد ذكرت أن محكمة جنايات سوهاج أوقفت تنفيذ عقوبة حبس عقيد شرطة ٣ سنوات بعد إدانته فى التعدى على السلطة القضائية واقتحام مقر نيابة مركز «ساقلتة» وسب أعضائها. وهى القضية التى حكم فيها أيضا على نقيب شرطة هارب وأمينى شرطة بالسجن المؤبد، كما حكم بالسجن ١٠ سنوات على ٨ أمناء وآخرين من الشرطة. وكان مفهوما أن ضغوطا مورست على المجنى عليهم اضطرتهم إلى التنازل عن الدعوى. الأمر الذى دفع المحكمة إلى اتخاذ قرارها بوقف تنفيذ العقوبة. فى الوقت ذاته كان المحامون ثائرين وغاضبين، بعدما تلقوا أنباء اعتداء نائب رئيس شرطة فارسكور (محافظة دمياط) فى اليوم السابق على الأستاذ عماد فهمى المحامى بالنقض، وضربه بالحذاء على وجهه (بعض الصحف نشرت صور المحامى والدماء تسيل من رأسه).

أساتذة الجامعات كانوا بدورهم غاضبين بعد نشر الخبر الخاص بضرورة أخذ موافقة ٣ جهات أمنية قبل سفر الأساتذة والمبعوثين والمتدربين إلى الخارج. وهو ما وصف بأنه نكسة وعودة لنظام ما قبل ٢٥ يناير. أما مواقع التواصل الاجتماعى فقد كانت تردد السؤال: أين إسراء الطويل؟ وهى الفتاة الجامعية التى خرجت للعشاء مع زميلين لها بالمعادى، ولم يعد أحد منهم إلى بيته منذ ثلاثة أيام ولم يعرف أين اختفوا. تحدثت أيضا عن البلاغ الذى قدمته إلى النائب العام المحامية صباح حمزة حسن وطلبت فيه الكشف عن المكان الذى يحتجز فيها زوجها المدرس بالمعاش أسامة أحمد أنور الذى اختطف أثناء سيره فى أحد شوارع منطقة المرج (ذكر البلاغ اسم ضابط الجهاز الأمنى الذى اعتقله) ولم يعثر له على أثر بعد ذلك. فى الوقت ذاته فإن مواقع «الحرية للجدعان» و«جبنا آخرنا» رفعت الصوت عاليا وهى تتساءل عن تنامى ظاهرة الاختفاء القسرى للمواطنين فى الآونة الأخيرة. فى هذا السياق ذكرت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان أنه خلال الأيام العشرة التى سبقت ٣ يونيو شملت حالات الاعتقال العشوائى ١٢٠ مواطنا، وثقت الشبكة بينها ١٢ حالة اختفاء قسرى.

كانت تلك بعض الأخبار التى تلاحقت طوال نهار الأربعاء الماضى ٣ يونيو. وشاءت المقادير أن يكون هو اليوم الذى انتخب فيه «الفريق» عبدالفتاح السيسى رئيسا للجمهورية، الأمر الذى سوغ لجريدة «المصرى اليوم» أن تتخير لصفحتها الأولى العنوان الرئيسى التالى «سنة أولى سيسى». كانت هناك أخبار أخرى بطبيعة الحال. لكن ما أثار انتباهى أن تلك الحصيلة دارت حول موضوع واحد، وأن دلالتها لها أهميتها فى المناسبة. صحيح أنها لا تصلح معيارا للتقييم، ومن التعسف اعتبارها كذلك، إلا أن دلالتها تمثل صفحة فى السجل لا يمكن تجاهلها. وأزعم أنها بمثابة البقعة السوداء ــ أو الحمراء إن شئت الدقة نظرا لخطورتها ــ التى تستوقف من تقع عيناه على الثوب، ذلك أننى قرأت فى ثنايا تلك «النشرة» رسائل مؤرقة عدة تتمثل فيما يلى:

• أن الجهاز الأمنى عاد إلى سيرته الأولى قبل ٢٥ يناير، ولكن بصورة أكثر شراسة. وهذا هو رأى نقيب المحامين الأستاذ سامح عاشور، فى تعليقه على واقعة اعتداء ضابط الشرطة بحذائه على محامى النقض فى فارسكور. وقد عبرت عن ذلك بصورة أكثر تفصيلا الدكتورة عايدة سيف الدولة الناشطة الحقوقية التى ذكرت فى مؤتمر نظم بمقر نقابة الصحفيين المصريين أنها تعمل فى المجال الحقوقى منذ ٢٢ عاما، وأن العام الأخير هو الأسوأ فى انتهاكاته لحقوق الإنسان.

• أن مؤشر الانتهاكات يتزايد بمضى الوقت. وطبقا لبيانات الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان فإن عدد المحبوسين والسجناء منذ صدور قانون التظاهر (فى سبتمبر ٢٠٠٣) عددهم نحو ١٨ ألف مسجون، بينهم ١٢ ألفا محبوسون احتياطيا لآجال مطولة قد تصل إلى عامين. وإلى جانب هؤلاء فقد وصل عدد الصحفيين المسجونين إلى ٦٢ شخصا وهو أكبر رقم عرفه التاريخ المصرى.
وفضلا عن انتشار التعذيب فى مراكز الشرطة والسجون، الذى أدى إلى القتل فى بعض الحالات، فقد لجأت الأجهزة الأمنية فى الآونة الأخيرة إلى استخدام أسلوب الاختطاف القسرى.

• أنه باسم مواجهة الإرهاب أطلقت أيدى الأجهزة الأمنية على نحو جعلها تستخدم القسوة المفرطة، الأمر الذى أدى إلى قتل المحامية شيماء الصباغ أثناء اشتراكها فى مسيرة سلمية، وإلقاء القبض على محام آخر هو كريم حمدى وطالب الهندسة إسلام عطيتو ثم العثور على كل منهما مقتولا بسبب التعذيب فى اليوم التالى مباشرة.

• أن الشرطة تتصرف باطمئنان كامل إلى أنها لن تخضع للحساب أمام القانون. آية ذلك أنه تمت تبرئة رجالها فى أكثر من ٤٠ قضية تعذيب وقتل. والذين أدانهم القضاء فى مرحلة، تمت تبرئتهم فى مرحلة تالية. ناهيك عن أنه لم يحاسب أحد على قتل نحو ألف شخص أثناء أحداث الثورة عام ٢٠١١. ومعروف أن مسئولية الشرطة عن القتل أثبتها صراحة تقرير تقصى الحقائق الذى أعدته آنذاك لجنة قضائية مستقلة رأسها المستشار عادل قورة، الرئيس السابق لمجلس القضاء الأعلى ومحكمة النقض ــ ومن المفارقات الصادمة أنه تمت تبرئة حبيب العادلى وزير الداخلية فى تلك المرحلة ومعاونيه بمقتضى حكم أصدرته محكمة النقض أمس الأول (الخميس ٤ يونيو). ولكى تكتمل الصورة فإن صحف الجمعة (أمس) نقلت عن محامى العادلى قوله إنه سوف يطالب ــ بعد البراءة ــ برد اعتبار الرجل والاعتذار له عن الإساءة التى لحقت به جراء اتهامه فى قضية قتل متظاهرى الثورة.

إن لقطة الأربعاء الثالث من يونيو تفتح أعيننا على صورة مسكوت عنها للمدى الذى ذهب إليه تغول وشراسة الأجهزة الأمنية، وهو ما أعاد إلى الأذهان صفحة تمنينا تجاوزها ونسيانها مستصحبة معها أجواء زمن الخوف والأفق المسدود. وحين ندق الأجراس محذرين ومنبهين فإننا لا نعرف ما إذا كان علينا أن نطالب المؤسسة الأمنية بإصلاح ذاتها، أم نطالب المؤسسة السياسية بتبنى موقف حازم لوقف تلك الانتهاكات، إن لم يكن حفاظا على كرامة الإنسان المصرى فعلى الأقل حفاظا على رصيد النظام من الثقة والاحترام.


الشروق

0 التعليقات:

Post a comment

 
الحصاد © 2013. All Rights Reserved. Powered by Blogger Template Created by Ezzeldin-Ahmed -