محمد القصاص








إذا تابعتم أى نشرة أخبار رسمية فى المحطات الإذاعية أو التلفزيونية التابعة للدولة فى حالة صدور أحكام على معارضين سياسيين ستلاحظون الآتى..


خبر الحكم فى القضية هو أول أخبار النشرة، يعقبه خبرين ثابتين أولهما "مصر تؤكد على احترامها لمواثيق ومعاهدات حقوق الإنسان الدولية"، الثاني "وزارة الخارجية تستنكر تدخل المنظمات الحقوقية الدولية في الشأن المصرى وتعليقها على أحكام القضاء"، ولكن في آخر قضية (قضية اقتحام السجون) والتى بها جملة من الإعدامات زاد خبران آخران في النشرة وهما "مصر ترفض كل الدعوات الداعية إلى وقف عقوبة الإعدام أو تعليق العمل بها" والثاني "مصر تؤكد أن قضايا الإرهاب هى الأولى بتنفيذ عقوبة الإعدام بها".. والحقيقة أننا لا نعرف من مصر التي تصدر هذه التصريحات أو بمعنى أدق من هو المصدر الذي صرح بهذه التصريحات فى مصر.



وبعيداً عن هذه النقطة فإن هذه التصريحات تأتى ردًا على دعوات وقف العمل بعقوبة الإعدام المتصاعدة حاليًا فى مصر، والتى بدأت بمجموعة من منظمات المجتمع المدنى التى أصدرت بيانًا إبان الحكم فى قضية عرب شركس وهو البيان الذى وقع عليه عدد كبير من الشخصيات العامة المصرية.



وأعقب هذا البيان - مع تنفيذ الحكم في قضية عرب شركس وإحالة أوراق الرئيس السابق محمد مرسي ورفاقه إلى المفتى - عدة تصريحات بدأها الدكتور عبد الغفار شكر رئيس حزب التحالف الشعبي وعضو المجلس القومى لحقوق الإنسان بالدعوة إلى وقف العمل بعقوبة الإعدام لمدة ثلاث سنوات، ثم تصريحات للمرشح الرئاسى السابق ورئيس حزب مصر القوية (عبد المنعم أبو الفتوح) بوقف العمل بعقوبة الإعدام ووقف تنفيذ ما صدر من أحكام إعدام فى الفترة الأخيرة. ثم جاء بيان من حزب العيش والحرية (تحت التأسيس) والذي يرأسه المرشح السابق أيضًا (خالد علي) بنفس المضمون، كذلك صدرت عدة تصريحات تدين الإفراط فى أحكام الإعدام وتحذر من التوسع فيها للمرشح الرئاسي السابق (حمدين صباحي).



إذًا.. فهناك إستشعار بالخطر من قبل المجتمع السياسي والمدني باختلاف توجهاته تجاه الإفراط الواضح والتسرع الحاصل في إصدار أحكام الإعدام وسرعة تنفيذها. وهو ما يجعلنا نقف أمام هذه الدعوات الداعية لوقف العمل بعقوبة الإعدام ولو لفترة مؤقتة لا تقل عن ثلاث سنوات مع وقف تنفيذ ما صدر من أحكام إعدام في السنتين الأخيرتين وذلك في مختلف القضايا وبالطبع الأولوية للقضايا ذات الطابع السياسي.



وهنا نحن لا ندعو إلى إلغاء عقوبة الإعدام بشكل كامل كما حدث فى بعض بلدان العالم، فهذا أمر يحتاج إلى نقاش مجتمعى وقانوني وديني واسع المدى، ولكننا نتحدث عن وقف مؤقت للعقوبة وهناك دول عربية مثل الأردن فعلت ذلك من قبل ولم تكن تمر بما نمر به فى مصر.



فنحن فى مصر نمر بحالة من الصراع الاجتماعي والسياسي والاستقطاب الحاد مما جعل كل فريق يبيح سجن أو قتل المختلف معه سياسيًا وسط مناخ إعلامى وإجتماعي يشجع ذلك الاستقطاب ويغذيه. ويزيد الطين بلة انحياز السلطة ومؤسساتها في هذا الصراع لتستفيد منه في تحقيق سيطرتها على البلاد وتصفية كل خصومها ومعارضيها.



وأما عن منظومة العدالة فهى لا شك متأثرة بما يحدث فى المجتمع، فهناك تسيس واضح فى بعض أحكام القضاء والنيابة العامة تسير فى ركب انحيازات السلطة، وهناك قضاة على أحسن تقدير أنهم تأثروا بالمناخ العام، وهناك أيضًا جهاز شرطة يمارس أبشع أنواع التعذيب لانتزاع الاعترافات، والقضايا الأخيرة التى صدر فيها أحكام بالإعدام مثل قضية محمود رمضان وقضية عرب شركس وقضية اقتحام السجون هى دليل على ما سبق، مما يعنى أن منظومة العدل في مجملها غير مكتملة.. فكيف نتسرع في الحكم على إنسان بالموت فى ظل غياب العدالة.



أما من الناحية الدينية فطلبنا بوقف أحكام الإعدام بشكل مؤقت هو شبيه بوقف سيدنا عمر رضي الله عنه لحد السرقة في فترة المجاعة، فكل هدفنا هو العدل الذى هو من أهم قيم الإسلام وكل الأديان، فنحن نسعى لحفظ دم الإنسان الذى هو أعظم حرمة عند الله من بيته الحرام.



ومن الناحية الاجتماعية.. فهناك كثير من البحوث حول الأضرار النفسية والاجتماعية التى تقع على أهالى المحكوم عليهم بالإعدام، وتزيد هذه الآثار مع استشعارهم أن ذويهم قد أعدموا ظلمًا نتيجة لأفكارهم، مما يجعلنا أمام قنابل اجتماعية موقوتة.



أما عن الصراع السياسي.. فإن هذه الإعدامات لن تزيده إلا احتدامًا وستحوله إلى صراع بقاء وبالطبع ستزيد وتيرة العنف، وأما الحديث عن أن هذه الأحكام هى رادع للارهابيين كما يقال في نشرات الأخبار فهو حديث مغلوط، فمن ناحية هناك توسع فى استخدام كلمة الإرهاب لتشمل كل من هو معارض للسلطة، ومن الناحية الأخرى فإن من يمارس الإرهاب فعليًا لا يخشى من عقوبة الإعدام لأن أكبر أمانيه أن يفجر نفسه فى عدوه ويرى أن الموت هو طريقه إلى الجنة (حسب اعتقاده).. وبالتالي فالمنطق يقول أن حكم الإعدام لن يردع الإرهابي، إذن فالواقع الحالي من كافة جوانبه يدعو إلى وقف العمل بعقوبة الإعدام لعدة سنوات حتى يتجاوز المجتمع المصري هذه الحالة الاستقطابية، وحتى لا ينهار الوضع الاجتماعي والسياسي أكثر من ذلك.



وعلى المجتمع المدني والأحزاب السياسية أن يرفعا صوتهما أكثر بهذه الدعوات للضغط على السلطة لإصدار تشريع بوقف العمل بعقوبة الإعدام وكذلك إصدار قرارات تنفيذية بوقف تنفيذ ما صدر من أحكام إعدام، ولتعلم السلطة أن التمادي فى تجاهل هذه الدعوات سيؤدى إلى انهيار حاد، والتاريخ يعلمنا أن مخترع المقصلة كان من ضحاياها. 



مصر العربية

0 التعليقات:

Post a Comment

 
الحصاد © 2013. All Rights Reserved. Powered by Blogger Template Created by Ezzeldin-Ahmed -