لم تكن كلمة "غوروا" التي أطلقها – كالرصاصة - أحد الألسنة الإعلامية الأكثر تلونًا وتبجحًا، وكرّرها زملاؤه في "أبواق الانقلاب".. لم تكن زلة لسان، أو غلطة غير مقصودة، بل إنها ليست المرة الأولى التي يوجه بها بائعو الهوى وضائعو الضمير مثل تلك الإهانات إلى "الشعب".

ولم تكن هذه الكلمة وجهة نظر إعلامية لا تعبر عن منظومة التسلط الراهنة.. بل هي – مع التأمل والتدقيق - تلخص منظورًا سياسيًا كاملاً من الطاغية المستبد لمن يعتبرهم "شعبه".من اتهام شعب من أحد الصحفيين بأنه "زبالة" إلى وصفه بأنه "جعان ومتنيل بستين نيلة" إلى "غوروا" كشعار للمرحلة.. لسان حالهم يقول "إن لم يكن يعجبكم فـ "غوروا".

يتكىء هؤلاء على أريكتهم فيمن يسمون "حزب الكنبة" الذين يتصورون أمنهم فى قعودهم واستكانتهم وذلهم، يقبعون هكذا تعودوا أن يكونوا فى ركابهم، ركاب الظلمة والمستبدين، فإذا قيل له إنهم يقهرونك أو يذلونك، يرد أنا من محبي الاستقرار والاستمرار، فى سلوكك خنوع وتسليم وخضوع.

ياهذا إن كنت تعتقد أن فى ذلك أمنك وأمانك فاعلم أن لهيب الأسعار سيطالك، وضررهم سينالك، ولن يكتفون بقهرك أو بذلك أو بإخضاعك، يريدونك بلا مطالب بلا صوت، ليس من حقك أن تتأوه كما قال لك "حتى لوحبسوك أو سُجنت" ،إذا لم يعجبك تلك المواصفات ولم يعجب غيرك أو تململت فـ "غوروا"، أتينا بك فى مشهد يقول للرئيس المنتخب ارحل، إياك أن تعتقد إنك يمكن أن تعيدها، إنه لا يرحل فإن لم يعجبكم فـ "غوروا".

"غوروا" ليست خطابًا للشعب المنبوذ المفترى عليه بأنه شعب "الإرهابيين"، ليست خطابًا لجماعة الإخوان التي أصبحت بعد البرلمان والرئاسة والصدارة "جماعة إرهابية خائنة تكفيرية تبيع الوطن وتتآمر عليه...إلخ"، ليست خطابًا لشباب الثورة من الإسلاميين وغيرهم الذين يبذلون الدماء وكل شيء من أجل حرية الوطن وكرامته واستقلاله ويقبعون في السجون ويُطاردون ويُطردون وتُنزع جنسيتهم ثمنًا لتحررهم وإنهاء لمعاناتهم، "غوروا" ليست خطابًا للمعارضة المستأنسة، وليست بالطبع موجهة لشعب النفاق المطلق، المطبلين لكل فرعون.

"غوروا"... لم تبدأ اليوم، إنما منذ أن اقترب المغرور من تحمل المسئولية الزائفة، فبدأ يخاطب جموع المصريين – وبالأخص شعبه المؤيد له - "أنتم حتكلوا مصر؟ ... إنتم حتموتوا مصر...؟ مفيش... مفيش... اجيبلكوا منين؟ امشوا على رجليكو... نضحى بجيلين عشان الجيل الثالث يعيش... مش حسمح بأي مطالبات فئوية أو غيرها... حا تدفع يعني حا تدفع... عايز خدمات ادفع... ما عنديش حاجة ببلاش... أنا عاوز في الصندوق دة... والصندوق دة..". هكذا خاطبهم مبكّرًا... وهكذا لم تطرف له عين وهو يزيد من معاناتهم كل يوم... وهم يئنون ويصرخون من الأسعار الطاحنة والدخول المطحونة والمعايش النكدة والضنك الذي حاق بهم... ثم يقول لهم: لازم تهابروا... أو "غوروا".

"غوروا" هي آخر خدمة الغُزّ كما قال أهلنا من قبل عن المماليك، "غوروا" منظور المستبد وتصويره للوطن، بأنه مِلكه ﴿ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾ (سورة الزخرف: آية51)..، "غوروا" هي دستور الاستبداد الحقيقي: أنا الدولة... أنا الوطن.. أنا الأرض، وأنتم فيها مستأجرون، أو مأجورون، أو عبيد، أو ضيوف، وأحيانًا ضيوف غير مرغوب فيكم... فإما أن تكونوا كما أقول لكم وكما أحب أن تكونوا... عبيدًا صاغرين... أو "غوروا".

الآن تتضح الحقائق... لست أنتم "نور عيونه"، لستم أنتم الشعب الذي "عانى كثيرًا ولم يجد من يرفق به أو يحنو عليه"... لستم أنتم "شعب مصر العظيم... الذي قام بثورتين... وهو من يختار من يشاء ويعزل من يشاء..."... بل أنتم شعب أتعب الدنيا... وصدر الإرهاب... شعب كسول لا يعمل... المواطن فيه مواطن المغارم ليس فيه من فائدة ، إنه المواطن العبء، شعب ينجب وينجب ولا ينتج... أنتم عالة... أنتم عبء... أنتم شعب سيء خائب لا تصلحون لهذا القائد الملهم العظيم، ولا تليقون بعبقريته... ولأجل هذا، وبعد انقضاء شهر العسل وسنة الكسل أقول لكم... ارضوا بما قسمت لكم من الفشل ... ارضوا بما كتبت عليكم من القتل والتعذيب والإرهاب وعودة الخوف وبناء "مصر المعتقل"..، لا مصر المستقبل... وإلا فهي كلمة واحدة.

من خواطر شاب ثائر كتبها بعد أن استمع كلمة "غوروا"، ووجده شعار المرحلة، المستبد المنقلب وزبانيته يروجون:

"أخرجوا من أرضي وملكى"، "غوروا".

غوروا فهذه أرضي أنا

الوطن ملكي أنا... والجيش جيشي أنا

وأنا من أقول ما يكون هنا... وحدى أنا

لا تقولوا أرضنا أو مصرنا... ولدنا هنا.

لا تقولوا هنا كان آباؤنا وسيكون أبناؤنا

لا تقولوا نحن من نزرع أرضنا ونروي زرعنا

لا تقولوا نحن من يصنع ملابس زعيمنا

لا تقولوا نحن من نهدي خيرنا غيرنا بل عدونا

لا تقولوا أين بترولنا وغازنا وبحرنا.. لا تقولا بعد السد: نيلنا

لا تقولوا إن سيناء والوادي والدلتا والصعيد لنا

لا تقولوا إن ماضي هذه الأرض شاهدٌ لنا

لا تقولوا إنها حقنا... ملكنا... ماءنا وهواءنا

لا تقولوا إن الله تعالى قدرها لنا موطنا

لا تقولوا إن القلوب تنبض بحبها... مصرنا

أيها القوم

...هذا كلام لم يعد اليوم ممكنا

قد جاءكم الفادي المفدى فقولوا: جاءنا... جاءنا

قولوا له أنت الذي حدثنا عنك جدّنا وقال لنا

سيكون في زمانكم – والحمد لله - لا زماننا

من تبيعون له الأرض والعرض والضمير المؤمّنا

من تفوضون له الأمر ثم يبيعكم بيعًا بخسًا شائنًا

من تريدونه حاميا صائنا يراكم شعبا رديئا خائبا جائعا

من احتال عليكم "بنور عنينا" يراكم عبئا كاملا ومغرما

من تدخلونه قصرًا ليجعل مصركم قبرًا.. مظلمًا موحشًا خانقًا داكنًا

من تؤمنونه وترفعونه ليخوفكم ويخلق لكم إرهابا ماحقا ممعنا
...

فلا تقولوا ساعتها له ظلمت، بل قولوا: هذا ظلمنا... هذا ظلامنا

قولوا ساعتها... هذا ما جنته أيدينا كلنا
.....

أو انهضوا وعودوا .. وقولوا: أرضنا .. ثورتنا .. ميداننا

وإذا قال لكم: أخرجوا من أرضي "غوروا"

فقولوا له: بل اذهب أنت ومن معك عنا وأنزل عن أكتافنا

أما نحن فسوف نبقى هنا...

سوف نبقى هنا...نعم سنبقى هنا.


مصر العربية

0 التعليقات:

Post a comment

 
الحصاد © 2013. All Rights Reserved. Powered by Blogger Template Created by Ezzeldin-Ahmed -