بلال فضل

 قبيل هزيمة يونيو، تم تكليف القاضي العسكري، سمير فاضل، بالتحقيق في قضية عُرفت باسم (قضية الاختلاسات الكبرى بإدارة الشؤون العامة للقوات المسلحة)، والتي وجهت فيها اتهامات التزوير والاختلاس والتهريب الجمركي، إلى بعض صغار الموظفين في مكتب المشير عبد الحكيم عامر، بالإضافة إلى مدني وحيد هو الصيرفي تاجر الموبيليا المعروف، والذي كان يتعهد توريد وإصلاح الأثاث في مكتب المشير ومنزله. وخلال التحقيق مع الصيرفي، فوجئ سمير فاضل به ينخرط في بكاء شديد، وحين حاول تهدئته، ليفهم منه سر بكائه، طلب الصيرفي منه عدم إثبات ما سيقوله في محضر التحقيق، لكي لا يعود إلى السجن الحربي، فيتعرض للمزيد من التعذيب الذي كان يتم تحت إشراف وزير الحربية، شمس بدران، شخصياً، فوعده فاضل بذلك، إذا كان ما سيقوله بعيداً عن سير القضية.

في مذكراته "كنت قاضيا لحادث المنصة"، يقول القاضي العسكري إن الصيرفي أقسم له أنه تم الزج به في القضية ظلماً، "بعد اختفاء صورة فوتوغرافية من منزل عبد الحكيم عامر، تجمع المشير ببرلنتي عبد الحميد بعد عقد قرانهما، وهما بصحبة جمال عبد الناصر، وكان زواجهما لا يزال وقتها يعامل معاملة الأسرار العسكرية. وحين أقسم الصيرفي، بعد سؤاله عن الصورة، أنه لم يرها أبداً، لم يصدقه أحد، فاقتيد إلى السجن الحربي، وبدأ تعذيبه بحضور شمس بدران، الذي كان يأمر بإرقاده على الأرض، ويسير فوقه أحد الموتوسيكلات، ليعترف بسرقة الصورة، وعندما لم يعترف بشيء، تم إدخاله ضمن المتهمين في قضية الاختلاسات".

لفّت الأيام ودارت، ودخل شمس بدران السجن، بعد هزيمة يونيو وانتحار المشير عامر، ليقضي فيه عدة سنوات، قبل أن يخرج منه في عهد السادات، ويغادر البلاد في ظروف لا زالت مثار جدل، وليظل مقيما في لندن، بعيداً عن أي مساءلة حول دوره في الهزيمة. لكن، قبل ذلك كله، وخلال وجوده في السجن، لم يذق شمس بدران من الكأس التي سقاها لضحاياه، بل كان أقصى ما ذاقه من عذاب، هو اضطراره لاستخدام القعدة البلدي في حمامه، وتجاهل الطلب الذي تقدم به بتركيب تواليت أفرنجي، ليأخذ راحته في الحمام، وهو ما يرويه سمير فاضل، نقلا عن صديقه مدير السجن الذي رفع طلب شمس بدران بتركيب تواليت أفرنجي إلى مصلحة السجون، والتي رفعت الطلب بدورها إلى وزير الداخلية.

لم يستطع وزير الداخلية، شعراوي جمعة، الموافقة على طلب قعدة التواليت، لأنه خشي أن يصل ذلك إلى عبد الناصر، فيعتبره مجاملة لشمس بدران المغضوب عليه. ولذلك، طلب الوزير موعداً لمقابلة الرئيس، ليستأذنه في تركيب التواليت الأفرنجي، فانفجر فيه عبد الناصر غاضباً لأنه رجع إليه في هذا الموضوع التافه، من دون أن يتذكر عبد الناصر دوره في فرض مناخ من القهر على البلاد بأكملها، يجعل وزير داخليته يخاف من تغيير قعدة تواليت، وهو الذي تتغير أرفع القيادات بإشارة من إصبعه. لكن، على أية حال، لم يقل لنا القاضي العسكري ما إذا كان شعراوي جمعة، بعد دخوله السجن عقب إطاحته في أحداث مايو 1971، قد استفاد من التواليت الأفرنجي الذي قام بتركيبه لشمس بدران أم لا؟

في موضع آخر من المذكرات، يروي سمير فاضل أنه حين كان رئيساً للنيابة العسكرية، وصلت إليه من رئاسة الجمهورية أوراق تضم تصديق الرئيس على حكم بإعدام متهم بالتخابر مع دولة أجنبية، لكنه اكتشف خلال مراجعتها، أن عبد الناصر لم يوقع بخطه على الحكم، بل تم ختم الحكم فقط بخاتم الرئاسة، فاعتبر الأوراق ناقصة، وأعادها للاستكمال، ليفاجأ بثورة عارمة من وزير الحربية الجديد، الفريق محمد فوزي، الذي اعتبر ذلك تشكيكا في أمانة سامي شرف سكرتير الرئيس، الذي يملك حق التصرف في ختم الرئيس، لكن سمير فاضل قال لرئيسه المباشر الذي أبلغه ثورة الوزير، أن الأمر يتعلق بحياة إنسان محكوم عليه بالإعدام، ولا يصح أن تنتهي حياته ببصمة خاتم، يحمله شخص آخر غير الرئيس. وبالفعل، وقّع عبد الناصر على حكم الإعدام، وهو ما يعلق عليه القاضي العسكري قائلاً "وهكذا، كان يمكن أن يتم التصرف في حياة إنسان، أو أي أمر من أمور الدولة الخطيرة ببصمة خاتم، يحمله شخص آخر غير الرئيس"، ليطرح ما رواه تساؤلات عن مصير آخرين، ربما تم تصديق أحكام الإعدام أو الاعتقال عليهم، بخاتم يحمله سكرتير الرئيس، من دون أن يجدوا من يرجع إلى الرئيس، للتأكد منه، لأنهم في النهاية مجرد بشر، وليسوا قعدات تواليت سيستخدمها وزير دفاع سابق.


العربى الجديد

0 التعليقات:

Post a Comment

 
الحصاد © 2013. All Rights Reserved. Powered by Blogger Template Created by Ezzeldin-Ahmed -