تأثير التسريبات على السعودية


كشفت ويكيليكس وصحيفة الأخبار اللبنانية يوم الجمعة الماضية عن أكثر من ستين ألف وثيقة من أصل نصف مليون وثيقة حول السعودية. الاستجابة الفورية لهذا الكشف كانت متوقعة؛ بداية: سارعت النخبة المتعاطفة مع السعودية بالتقليل من أهمية التسريبات، معلنة (بسرعة ملفتة للنظر، بالنظر إلى عدد الوثائق التي يجب تتبعها) أنه لا يوجد شيء جديد أو مثير للاهتمام بها. بعد ذلك، حشْد من العرب الموجودين إلكترونيًا حفروا بالأرشيف وبدؤوا النشر على الإنترنت، بينما بدأت وسائل الإعلام بنشر الأمور الأساسية. الآن، يتم تداول هذه الوثائق بسرعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مهيمنة على الحديث العام، وقد تبقى كذلك لبعض الوقت، مع أكثر من 400 ألف وثيقة تنتظر النشر عبر شهر رمضان.

من السهل الملل من النصوص الروتينية لتسريبات كهذه؛ بالنظر للسياسات المثيرة للمشاكل التي تحيط ويكيليكس نفسها، أو بالتأثير المحدود لتسريبات سابقة، أو بالحديث العام المسموم الذي يحيط الصراعات الطائفية والمنحازة في الشرق الأوسط. الأكثر من ذلك، أن التسريبات يمكن أن يكون لها أثر سياسي محدود مباشر ضمن البيئة الإقليمية المستقطبة والقمعية بشكل جماعي. لا نتوقع أن تسبب التسريبات انتفاضات بالرياض أو ترحيلات دبلوماسية للدبلوماسيين السعوديين من العواصم العربية بأي وقت قريبًا؛ إلا أنه من الخطأ التقليل من أهمية هذه التسريبات التي قد تؤثر من أي سابقات لها بسبب ارتباطها بأكثر قضيتين ملحتين في الشرق الأوس حاليًا: الحرب الإقليمية بالوكالة بين السعودية وإيران، والجهود السياسية للأنظمة العربية للسيطرة على وسط عام عربي متمدد وإزالة مكاسب انتفاضات 2010 – 2011.

يبدو أن الحكومة السعودية اعترفت بأن الوثائق المسربة أصلية بشكل عام، لكنها حذرت (بشكل صحيح) أن بعض الوثائق المزورة قد تكون وضعت ضمن الأصلية. تقييمها ليس سهلًا؛ بسبب الطريقة التي نشرت بها، مع ضياع صفحة أو عدة صفحات لنصوص مهمة من الوثائق. المعلومات الموجودة في هذه الوثائق تحتاج أن تبقى تحت النظر، مثلًا: وثيقة دبلوماسية قالت إن نشاطًا قطريًا في اليمن، قد يكون هذا دقيقًا وقد يكون تخمينًا دبلوماسيًا، أو قد يكون معلومات دبلوماسية دقيقة من مصدر استخباراتي وقد يكون نفسه خاطئًا. النقل القليل في الوثائق الرسمية قد يكشف توجهات المسؤولين، لكنه لا يزال تحليلًا ضعيفًا أو دليلًا غير موثوق حول السياسات.

التسريبات جزء من حرب سياسية بشكل واضح، إما من اليمنيين الحوثيين أو إيران أو السعوديين المعارضين. هناك جهد قليل مبذول لإخفاء الابتهاج بفضح السعودية ضمن “الرأي العام”. ليس هناك شك أن السعودية ستفعل المثل لو كانت محظوظة بما يكفي للوصول للحواسيب الإيرانية أو القطرية. لكن، معرفة سياسات التسريبات ليست سببًا لتجاهل أهميتها. العرب في المنطقة بأكملها مهتمون بالوثائق السعودية (كما فعلوا في تسريبات عام 2010 بالوثائق الأمريكية)، وسبب ذلك بشكل دقيق هو أن سياسات الرياض التوسعية دخلت بشكل كبير في سياساتها الداخلية. اليمنيون والليبيون والسوريون والمصريون لديهم نصيب في وثائق السياسة الخارجية السعودية؛ لأنها تؤثر بشكل كبير في بلدانهم نفسها.

وصحيح أنه لم يكن هناك شيء حتى الآن يفاجئنا بشكل كبير، كما يشير أولئك الرافضون للتسريبات. الوثائق التي لها الدور الأكبر في المنطقة العربية كانت تلك التي تظهر سياسيين مستقلين وصحفيين يبحثون عن دعم مالي سعودي، لكن السياسيين ووسائل الإعلام المُعَرضين للأسئلة كانوا معروفين بشكل عام بتعاطفهم مع السعودية. كان هناك انتباه محدد لإحدى الوثائق التي تحدثت عن التدخل القطري في اليمن، وأخرى تناقش الاتصالات بين السعودية والقيادي السابق الكبير في الإخوان المسلمين خيرت الشاطر حول إطلاق سراح الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك مقابل دعم مالي. بينما يتحدث الكثيرون حول التفاصيل الجديدة؛ إلا أن قلة ستدعي المفاجئة حول اكتشاف أن السعودية تحاول السيطرة على الإعلام العربي، وإنفاق المال على السياسيين المقربين، وعدم دفع مخالفات الاصطفاف، أو عدم الاهتمام بإيران.

لكن، غياب وثائق “مسدس الدخان” ليس النقطة. كما ناقش هنري فاريل ومارتي فينيمور قبل سنوات فضيحة الوثائق الأمريكية، فإن التبعات الأهم كانت: “تقوض قدرة أمريكا على التصرف بنفاق ولا مبالاة حول ذلك. خطرها يكمن ليس في المعلومات الجديدة التي تكشفها، لكن بالتأكيد الموثق الذي توفره حول ما كانت أمريكا تفعله ولماذا”. أن “يعلم” الجميع في المنطقة جهود السعودية للسيطرة على الإعلام شيء، وقراءة تفاصيل ذلك في وثيقة رسمية شيء آخر، ومعرفة أن الجميع يقرؤها كذلك.

هذه الدينامية كانت دائمًا مهمة في العالم العربي؛ حيث فرضت الأنظمة الديكتاتورية في العالم العربي قبضتها على الإعلام والرأي العام. عندما كشفت الوثائق الأمريكية في 2010، قلت إن التأثير الأكبر سيكون في العالم العربي؛ حيث “يبذل المسؤولون جهودًا كبيرة لإبقاء أمور كهذه سرية”، وفرض النفاق العام بالقوة هو بعد رئيس للحكم الديكتاتوري. كشوفات ويكيليكس هذه تتوافق مع السياق الأوسع للنشاط الإلكتروني العربي الهادف لتحطيم احتكار الدولة للمعلومات، كاشفة السطوة الرسمية والفساد الرسمي، ومؤسِّسة لبيئات إعلامية وشبكات اجتماعية بديلة. كما قال الناشط التونسي سامي بن غربية: “لم تكن المعلومات حول الفساد والمحسوبية. التونسيون لم يحتاجوا تونس ليكس لإخبارهم بأن بلادهم كانت فاسدة. التونسيون كانوا يتحدثون ويسخرون من الفساد لسنوات. ما كان مختلفًا هو الأثر النفسي للمؤسسة بمواجهتها بشكل علني بصورتها القبيحة نفسها. الحكومة علمت أن كل الناس عرفوا، داخل وخارج البلاد، كم كانت فاسدة وديكتاتورية”.

أتت ويكيليكس عام 2010 في بدايات الفضاء العربي الإلكتروني، بتأثير، ولكنّ عددًا قليلًا نسبيًا من الناشطين تفاعلوا معها. الفضاء العام الآن أكثر تطورًا، مع امتلاك الكثير من المواطنين العرب لصفحات إلكترونية مثل تويتر وفيس بوك. الكشوفات السعودية بالغالب مخصصة لمجموعات العرب المستقطبة سياسيًا للامتلاك والمشاركة والنقاش؛ مما يجعل من المستحيل على الدول التحكم بتدفق المعلومات. يمكن للقنوات التليفزيونية ووسائل الإعلام الرسمية تجاهل الوثائق، لكنها لن تمنع تداولها بين الملايين من مستخدمي الإنترنت. أثر هذه الوثائق سيكون حالة اختبار مفيدة لتوازن القوى حاليًا بين الدولة والمجتمع الإلكتروني.

ليس هذا تفكيرًا طوباويًا بأن المعلومات ستتدفق بحرية عبر مجال عام متحرر؛ فعلى النقيض: المعلومات تتدفق عبر شبكات مستقطبة ومنحازة تهيمن على الإعلام والوجود العربي إلكترونيًا. الشبكات ووسائل الإعلام المؤيدة للسعودية والمضادة لها تركز على وثائق مختلفة كليًا؛ لوجود انحيازات داخل كل شريحة تركز بشكل منتقى على هذه الوثائق والنقاشات التي تدعم قضية كل منها، مع تجاهل الأخرى. سياسات السعودية ليكس ستعزز بدلًا من أن تتحدى البيئة السياسية غير المستقرة المسمومة والقمعية والمخيفة.



الشعب

0 التعليقات:

Post a Comment

 
الحصاد © 2013. All Rights Reserved. Powered by Blogger Template Created by Ezzeldin-Ahmed -