براء أشرف

عزيزي المشاهد.. هل تعتقد أنك مهم في "صناعة الدراما الرمضانية"؟؟..

هذا سؤال يستحق أن نتوقف عنده قليلاً، قبل الدخول في تفاصيل المعروض على الشاشات المصرية في رمضان هذا العام.. لنحدد، أولاً، من أي زاوية يمكن أن ننظر للدراما.. كمشاهدين.

(١)

على سبيل المثال، في رمضان الماضي، قرر أحد كتاب المسلسلات، أن تأتي نهاية مسلسله غرائبية وبعيدة كثيراً عن المنطق الدرامي. وأثارت هذه المسألة جدلاً كبيراً وقتها.

أتحدث تحديداً عن "السبع وصايا" لمؤلفه "محمد أمين راضي"، والذي يقدم هذا العام "العهد"، في تعاونه الثالث مع المخرج "خالد مرعي" بعد عملهما المشترك الأول "نيران صديقة"..

"الوصايا" ككل، عمل غير مألوف، ومختلف، وتدور أحداثه في عالم له منطقه الخاص. حيث الأحلام والأوهام وما إلى ذلك.. وهو مسلسل ممتع إلى أقصى حد، لولا نهايته.

هناك إلتزام ما، أو لنقل اتفاق ما، غير مكتوب، بين المؤلف والمشاهد. المؤلف يصنع العقدة، والمشاهد يراقبها وهي تتفكك قطعة بقطعة، لحين الوصول إلى النهاية. وقد تكون النهاية ذاتها مفتوحة.. أو تقود إلى أحداث أخرى.. لكن في النهاية.. هناك نهاية ما.

هكذا الحكايات عموماً، بداية، وسط، نهاية، عقدة وحل، تختلف الأساليب، وتتنوع التكنيكات، لكن تبقى النهاية ضرورية، نقطة وصول يصل لها المشاهد بعد رحلة طويلة ومرهقة.

العالم الذي صنعه مؤلف "الوصايا"، كان كل شيء فيه قابل للتبرير. للمنطقة (من المنطق)، أسباب تؤدي إلى نتائج. لكن السؤال الأهم، الذي يدور حوله العمل ككل، وهو جثة "سيد نفيسة" التي اختفت في الحلقة الأولى. لم تكن له أية مبررات.. بل، جاءت النهاية خطابية جداً على لسان أحد الشخصيات، بما يعني أنه غير مهم أين ذهبت الجثة أصلاً!! (لنضع هنا ألف علامة تعجب)..

هناك "حق" ما للمشاهد في هذه الحكاية. حقه أن يعلم حل اللغز الذي تم اختراعه من ناحية المؤلف. بدون هذا الحل، فإن العقد غير المكتوب الذي تم عقده بين المؤلف والمشاهد قد تم انتهاكه بصورة فاضحة!. حيث ظهر المشاهد وكأنه يتعرض للعقاب من المؤلف لأنه صدقه من البداية!.. أو لأنه دخل معه في هذه العلاقة من الأساس وأقر بالعقد غير المكتوب بينهما. والذي لم يتم إحترامه!

بالطبع، المؤلف له الحق والحرية والكاملة في الإبداع، وتقديم فنه الذي يرضيه. لكن، داخل مساحة العقد بينه وبين المشاهد. حتى وإن كان هذا العقد ينص على أن المؤلف من حقه عدم إحترام قيم وعادات وتقاليد المشاهد، هذه مسألة ليست ذات علاقة بالرقابة، أو بتقييد الحريات على الإطلاق. بل لها علاقة بالـ"حقوق"، فقط لا غير.

(٢)

كل صناعة، لها نقطة بداية، ونقطة نهاية.. يبدأ منها المنتج وينتهي فيها. لعلك تذكر لعبة "البيضة" التي طالما تم إلهاءنا بها صغاراً.. البيضة، والذي باعها، والذي اشتراها، والذي سواها، والذي قشرها، والذي أكلها في النهاية.. لنطبق نفس النظرية على الدراما التلفزيونية ونرى كيف تسير الأمور..

من أين تبدأ "البيضة" التليفزيونية إذن؟..

لا تتعجل. ليس عندك كمشاهد. ولا عند المؤلف. البداية من ناحية شركة لديها منتج ما ترغب في بيعه. وشهر "رمضان" يتميز بزيادة الطلب عموماً من المستهلكين على السلع في الأسواق. ولهذا تم إبتكار شيء اسمه "الإعلان"، والشركة صاحبة المنتج الذي ترغب في الإعلان عنه اسمها "المعلن".

تخصص الشركات الكبرى ميزانيات خاصة للإعلان في رمضان، وتكون هذه الميزانيات ضخمة جداً. تقريباً تساوي في مجملها ما يتم إنفاقه لإنتاج الدراما الرمضانية في مجملها أيضاً.

ولأن "رمضان" موسم استهلاكي في الأسواق. يجب أن يتم خلق موسم "تليفزيوني" على الشاشات، لضمانة أن نسب المشاهدة سترتفع أيضاً لضمان وصول الإعلان إلى جمهوره.

يعني، حتى تتضح لك الصورة أكثر، إعلانات رمضان سابقة على دراما رمضان. تم ابتكارها قبل أن يتم تخصيص شهر رمضان لعرض المسلسلات.

وقبل "رمضان" بوقت كافي، تقرر كل شركة مع وكالة الإعلانات التابعة لها، خريطة توزيع الإعلانات على القنوات الفضائية، كل قناة تأخذ حصة تلاءم نسبة مشاهديها، وعدد ونوع المسلسلات المعروضة على شاشتها.

بل، وكل مسلسل، له نوع معين من الجمهور.. على سبيل المثال، ربات المنازل يشاهدن "يسرا"، لذا ستجد هناك كثافة إعلانية للمنتجات الإستهلاكية التي تستهدف ربات المنازل على مسلسل "يسرا".. وهكذا..

يحدد هذه النسب والإحصائيات شركة متخصصة، دورها هو إعداد تقارير توضح أي القنوات يشاهدها جمهور أكبر.. ويتم إرسال هذه التقارير للشركات الكبرى ووكالاتها الإعلانية بحيث يتم توزيع الإعلانات بنفس النسب.

السؤال هو : لو أن الشركات الكبرى قررت فجأة التوقف عن الإعلان، فما الذي سيحدث للدراما الرمضانية؟.. الإجابة واضحة : ستختفي!.

إذن، على مقياس "البيضة".. المسلسل يتم إنتاجه بأموال منتجه، يبيعه للقناة التي تملك المال الكافي، المال الكافي مصدره المعلن. المال لدى المعلن، والقوة والسيطرة لدى المعلن أيضاً.

والمشاهد مجرد مستهلك، يشتري المنتج من السوق، ويشاهد إعلانه في فواصل المسلسل، المسلسل وسيلة جذب إعلانية إذن لا أكثر.. والإبداع المطلوب فيها، وفقاً لهذه المنظومة الإقتصادية، هو الإبداع الكافي بحيث يتعرض المشاهد للفواصل الإعلانية، وليس للمسلسل نفسه.. المسلسل غير مهم، الإعلان أهم، وبالتالي المشاهد نفسه غير مهم.. المهم هو "المستهلك"، وهناك فارق كبير بين كونك "مستهلك"، وكونك "مشاهد"..

(٣)

يقول البعض، أنه لكسر هذه الدائرة. يجب أن يتوقف نمط المشاهدة المجانية. وأن يدفع المشاهد مقابل ما يشاهده من محتوى ترفيهي على التلفزيون. وبالتالي يتم تعويض المال الذي يدفعه المعلن لصالح مال يدفعه المشاهد. وبحيث تكون السيطرة هنا للمشاهد وليس للمعلن.

هذا يحدث في بلاد كثيرة حول العالم. بل ويحدث أيضاً في بعض الشبكات العربية. التي تتميز بعرض محتوى حصري على شاشاتها، مقابل مبلغ مالي يدفعه المشاهد بشكل شهري، ومن خلال تجميع هذا المبلغ، يتوفر لدى الشبكة القدرة على شراء محتوى ترفيهي يلاءم جمهورها. وبدون فواصل إعلانية تماماً.

المشاهد المصري، لا يرحب عادة بفكرة الدفع مقابل المشاهدة، ربما يدفع فقط للشبكات التلفزيونية الرياضية دون غيرها، أما بالنسبة للمحتوى الدرامي. فهو يبدو غير مهتم، أو متقبل لفكرة الفواصل الإعلانية الطويلة مقابل التنازل عن قدر من حقوقه (أو كلها)..

في الشبكات المدفوعة، المغلقة، للمشاهد الحق الكامل في السيطرة على المحتوى. بل حتى لديه القدرة على التواصل مع إدارة القناة لمنع عرض مسلسل يراه المشاهد رديء أو غير مناسب له. الجمهور هنا أقوى من المؤلف والمبدع، وهذا أصل الأمور.. والقناة مجرد وسيط، تأخذ المال من المشاهد وتنتقي له من السوق ما يناسبه ويعجبه، وتعرضه له في الأوقات المناسبة.. وتنتهي الحكاية هنا.

"البيضة" الدرامية في المحتوى المدفوع غير المجاني تبدأ وتنتهي عند المشاهد. فهو أول من يدفع، وهو من يشاهد أيضاً مقابل ما دفعه.. وبالتالي له السيطرة دون تدخل من المعلن.

(٤)

نعود للبداية، ونهاية "الوصايا" التي رأيت كمشاهد (وأنا لست ناقد أو محلل على الإطلاق) أنها نهاية انتهكت حقي، ولم تحترمني بشكل كافي، وكانت غير لائقة، وغير ملتزمة بنصوص العقد غير المكتوب بيني كمشاهد وبين المؤلف!.

ما الذي يمكنني فعله أمام هذا الإنتهاك؟!.. في الواقع : لا شيء.

دعك من "الوصايا".. ولنتحدث عن أي شيء لا يعجب الجمهور.. ألفاظ، مشاهد، تغيير لوقائع أو أحداث تاريخية، تحريض، سب وقذف لشخص أو جهة، كذب، أو أي شيء آخر.. ما الذي يضمن للمشاهد حقوقه؟.. وهو بالتأكيد صاحب عدد كبير من الحقوق، الإجابة مرة أخرى.. لا شيء!.

وفقاً للمنظومة الإقتصادية التي ذكرتها سابقاً، فالهدف ليس ترفيه المشاهد وتسليته وإمتاعه.. بل، استفزازه بحيث يبقى أسيراً للمسلسل ولفواصله الإعلانية فقط لا غير، بالطبع هناك مساحة إبداعية، لكنها ليست أصل المنظومة الإقتصادية، الإعلان أولاً، والإبداع على الهامش..

ولعلك تعلم، أن معظم منتجي الدراما المصرية هم في الأساس وكالات إعلانات تابعة للشركات صاحبة المنتج المطلوب الإعلان عنه.. عزيزي المشاهد.. أنت غير موجود.. فقط حضورك يتم بصفتك الإستهلاكية، مستهلك لا مشاهد. وبالتالي فإن رضاك مسألة هامشية.. تقبل هذه الحقيقة، وتأملها كثيراً، قبل أن تعتقد أن هذه الصناعة تحترمك!.

(٥)

طيب.. وما الحل؟!..

شخصياً ليس لدي تصور كامل حول المسألة.. ما أنا متأكد منه أن الحل غير رقابي، ولا مؤسسي، ولا تتدخل به الدولة على الإطلاق.

الحل يبدأ من الجمهور.. هذا إن اعتبرنا أنه يشعر أساساً بأن ما سبق مشكلة..

فاصل إعلاني، ونعود لاحقاً للحديث بالتفصيل عن مسلسلات رمضان ٢٠١٥.. ونبدأ بالعهد.. لنفس المؤلف صاحب نهاية "الوصايا السبع".

مصر العربية

0 التعليقات:

Post a comment

 
الحصاد © 2013. All Rights Reserved. Powered by Blogger Template Created by Ezzeldin-Ahmed -