أحد وسائل التعذيب الوحشي

التعذيب، وبحسب ميثاق الأمم المتحدة، مرفوض ومدان، ولأن أياً من الدول لا تعترف بممارسته وشيوعه في دولها، فقد حظي ذلك اليوم بتأييد كبير، لكن الواقع الذي ترصده منظمات حقوقية وإنسانية ومراكز علاج ضحايا التعذيب تقول عكس ما وافقت عليه دول العالم. بل إن الأفظع في كل ذلك ذهاب بعض الدول لشرعنة التعذيب بمسميات مختلفة، ومنها دول تتصدّر المشهد "الحقوقي والديمقراطي"، بل إن أدوات التعذيب القروسطية ما تزال مستخدمة حتى يومنا هذا في العديد من الدول.

كسر نفسي

بحسب تعريف الأمم المتحدة في عام 1984، فإنه عقاب جسدي ونفسي عنيف بهدف الحصول على معلومات واعترافات، أو عقوبة وتخويف لإخضاع فرد أو مجموعة بشرية لسلطة معينة. وفي عام 1975، أضافت نقابة الأطباء اليابانيين أن التعذيب لا يقتصر فقط على ممارسته من قبل سلطة، بل يمكن اعتبار أي ممارسة من إنسان بحق آخر أو آخرين، خارجة عن احترام حق وكرامة البشر، تعذيباً.

أهداف التعذيب عبر التاريخ لم تختلف كثيراً، وإن اختلف وتعدد ممارسوه، فالأساس هو كسر الإنسان روحاً وجسداً، حتى ولو أدى ذلك إلى انتزاع اعترافات مزيفة للخلاص من التعذيب وبالوشاية بأصدقاء وأقارب لا علاقة لهم بما ينتزع من اعترافات. كل هذا، وبحسب خبراء في مراقبة نتائج التعذيب، يؤدي إلى تحطيم هوية المعذّب حيث يعتبر نفسه "خائناً لمجموعته التي ينتمي إليها".

لكن نتائج وانعكاسات التعذيب لا تقف فقط عند حدود الفرد المعذب، بل إن الأثمان الاجتماعية أكبر بكثير مما يظن الجلادون. فإشاعة الترهيب في المجتمعات تصبح مكلفة جداً من خلال نشر بيئة خوف في صفوف الشعب وتحطيم أية إمكانية لقيام أنظمة سياسية تعددية وديمقراطية عبر كسر إرادة المعارضة، وبالتالي تنجز السلطات من خلال التعذيب سيطرة كاملة بإبعاد أي مناخ من مناخات الحرية.

لكن تبقى النتائج الأكثر شيوعاً هي على الضحية ومحيطها، فأمراض نفسية كثيرة يصاب بها من يقع ضحية التعذيب، ولعل أكثرها شيوعاً تلك التي يسميها علماء النفس "أعراض ما بعد الصدمة" (PTSD).

الشخص الذي يصاب بأعراض ما بعد الصدمة سيعاني، إذا لم يجر علاجه وإعادة تأهيله، من فقدان القدرة على العودة لحياة طبيعية عبر سلسلة متواصلة من استرجاع ساعات التعذيب والكوابيس وفقدان القدرة على التركيز وعدم الثقة بالمحيط وانخفاض الثقة بالذات إلى حدود متدنية جداً. وكل تلك الأعراض تنتقل بما يسمى "صدمات هامشية" إلى المحيط، سواء كان أطفالاً أو زوجة أو إخوة ووالدين. ومن هنا يعتبر الخبراء قضية التعذيب، وخصوصاً في غياب مؤسسات راعية لشؤون هؤلاء، قنبلة موقوتة تنتقل مع الشخص حتى لو انتقل جسدياً إلى بلد آخر، وهو ما يثار كثيراً في البلاد التي يصلها لاجئون سياسيون من بلدان تمارس فيها السلطات التعذيب على نطاق واسع.

منهجية واحدة

في عصر رصد الانتهاكات وعلى رأسها التعذيب بحق البشر، يبدو التركيز على أنظمة ديكتاتورية ومستبدة عالمثالثية، لكن نظرة سريعة لجذر أدوات التعذيب ستكشف عن جهنمية العقل الذي اخترع بعض تلك الوسائل في العصور الأوروبية الغابرة. كثيراً ما يسمع الإنسان عن "الكرسي الألماني" والشبح والدولاب والإغراق وغيرها من الوسائل، وخصوصاً من هؤلاء الذين مروا على سجون الاستبداد لانتزاع اعترافات أو تلفيقها بسادية قد لا ترتبط دائماً بالمعذب بل بمن هو أبعد منه، لتصل إلى كل أفراد المجتمع كرسالة كسر إرادة وإخضاع أكثر منها معرفة "حقيقة" يبحث عنها المُعذب أو مشغله، بحسب تعريف التعذيب.

في التاريخ الأوروبي، هناك ما هو أبشع من مجرد كرسي برؤوس مدببة كان يجلس عليها الإنسان للتعذيب، فالأسطورة من العصر الروماني تأخذنا إلى ما قبل القرن الخامس الميلادي عن "الثور البرونزي" الذي كان يوضع فيه الضحية كتابوت تشعل النار تحته ليبدأ صراخ المعذب بين حدود الألم والموت، حرقاً وشياً، بينما الدخان يتصاعد من خياشيم الثور البرونزي.
ليست العودة إلى ذلك التاريخ تعني بأن الأمر انتهى مع انتقال البشرية إلى عصور أخرى، بل إن تلك الأدوات تطورت في العصور الوسطى بطريقة ما يزال بعضها يستخدم حتى يومنا في القرن الحادي والعشرين.

قد لا يستخدم كثير من جلادي هذا العصر التعذيب بالأحذية الضيقة والتي تحتوي على مسامير في كعبها الداخلي بحيث يظل المعذب واقفاً على أصابع قدميه.

لكن التعذيب بالإيهام بالغرق انتقل أيضاً من تلك العصور حتى مورس بحق أسرى يابانيين في الحرب العالمية الثانية، ثم ظهر في العصر الحديث قبل سنوات ليشير إلى أن "الديمقراطيات" تتخذ من "الإيهام بالإغراق" وسيلة وحشية بحق معتقلين ومختطفين خارج القانون. ولم تكن تلك الفضائح الخارجة من سجن أبو غريب العراقي سوى رأس جبل جليد عن ممارسات كانت الأجهزة الحكومية الغربية تستأجر جلادين وزنازين العالم الثالث وبعض دول أوروبا الشرقية لإجراء ذلك النوع من التعذيب الذي ينص "قانون" تلك الدول على منعه على أراضيها. في بداية الألفية الثانية، كثيراً ما تسرّب عن "طائرات سي أي ايه" وهي تنقل البشر بين دولة وأخرى لإجراء ذلك النوع من التعذيب.

الهدف واحد

في رواية "القوقعة"، التي كتبها مصطفى خليفة عن سجن تدمر، رصد وسيلة إجبار السجين على تجرّع الماء القذر من بالوعة باحة السجن. الباحث عن أصل تلك الوسيلة سيجد بأنها لا تختلف كثيراً عمّا كان منتشراً في العصور الأوروبية الوسطى، كواحدة من عشرين وسيلة تعذيب، حيث كانت تسمى "التغميس بالبراز"، وإن كانت تجرى في ذلك الوقت على النساء.

"مخلب القط"، واحدة من تلك الوسائل التي إذا ما دقق الإنسان بصور الضحايا المقتولين، والتي تتسرب بين فترة وأخرى، هي أيضاً ذات أصل قروسطي، حيث يجري استخدام مبضع يشبه مخلب القط لغرزه في جسد الإنسان حتى الإغماء، ويكون ذلك إما لانتزاع اعتراف وهمي أو لممارسة متعة سادية.

صور الضحايا المعذبين بالحرق تشير إلى وسيلة استخدمتها الكنيسة الكاثوليكية باسم "تطهير الروح"، وكانت عملية "إحماء التعذيب" قبل البدء بحملة إعادة المعذب/ المعذبة إلى السبيل الصحيح عبر ما سموه "تطهير الروح".

بعض الدول التي ترفع شعارات معادية للولايات المتحدة، باعتبارها دولة إمبريالية، هي نفسها لم تكن تستثنى من قيام طائرات السي أي ايه بنقل حمولتها من البشر لتعذيبهم في سجونها. لقد حدثت فضيحة كبيرة عندما قامت الولايات المتحدة بتسليم مواطن كندي من أصل سوري، هو المهندس ماهر عرار، ليلقى التعذيب في سجون سورية من أجل انتزاع اعتراف بأنه من "القاعدة". أطلق سراح عرار وتم التعويض له من حكومة كندا، بينما كشفت تلك الحادثة كيف أنه حتى الدول التي تدعي أنها ضد التعذيب تمارسه غير آبهة بحقوق الإنسان.

وكشف أخيراً عن كيفية قيام استخبارات الدنمارك أيضاً باستخدام سجون لبنان لانتزاع اعترافات من مواطنيها في سجون لبنان، هذا بالرغم من أن يوم 26 يونيو/ حزيران هو مقترح حكومة تلك الاستخبارات للجمعية العامة للأمم المتحدة. وبالرغم من انتشار مؤسسات إعادة تأهيل ضحايا التعذيب كـRCT في الدنمارك وغيرها، إلا أن توثيق حالات التعذيب المحلي لا يعترف بها من قبل السلطات. بل إن مئات اللاجئين السياسيين في دول عدة يتركون بلا علاج، ما يفاقم كثيراً في أوضاعهم وأوضاع عوائلهم.

العربي الجديد

0 التعليقات:

Post a Comment

 
الحصاد © 2013. All Rights Reserved. Powered by Blogger Template Created by Ezzeldin-Ahmed -