أثناء الفترة التي سبقت انتخابات الرئاسة 2014، صور الإعلام المصري وزير الدفاع آنذاك، عبد الفتاح السيسي، على أنه الخيار الوحيد الموجود على الساحة، ضاربًا عرض الحائط ومهمشًا وساخرًا من الآخرين.

ويدين السيسي لذلك الدعم الإعلامي المستمر، حيث تم إعداد المشهد من أجل عودة ذلك الاصطفاف الإعلامي المنحاز للدولة.

ومنذ انتخاب السيسي رئيسًا؛ وجدت كافة الشخصيات الإعلامية، من ملاك مؤسسات وإعلاميين، والذين كانوا قد بدأوا العمل في حقبة الرئيس المخلوع حسني مبارك، وقدموا له دعمًا راسخًا، بطلًا جديدًا لهم.



واليوم، اُستبعِد العديدُ من الإعلاميين الذين ظهروا على الساحة نتيجة لثورة 25 يناير، أو هؤلاء الذين يعتبرون أقل حماسًا للسيسي، وحرموا من الظهور على الشاشات، عبر قرارات إذعان.



الوضع المذكور جاء في أعقاب سنوات قليلة شهدت جدالًا حيًا ومتنوعًا (وأحيانًا لاذعًا) على نحو فوق العادة، فيما يتعلق بالإعلام المصري.



ومنذ الثورة، احتل الإعلام مكانًا مركزيًا، في الصراعات والمناظرات السياسية الكبرى. وطفت على السطح وسائل إعلامية مختلفة الأشكال في فترة اتسمت بالتذبذب السياسي، لذا تحول الكثير من المصريين إلى تلك المنصات، باحثين عن الإرشاد.

وقبل نهاية رئاسة مرسي، التي شهدت حسابات خاطئة كارثية، عدد الرئيس المعزول أسماء محطات تلفزيونية مناهضة له، محملا إياهم مسؤولية إثارة الكراهية ضده.

أما الآن، فقد ربط السيسي أكثر من مرة بين الإعلام المحلي ومهمة الحفاظ على الواجبات الوطنية، مطالبا المنافذ الإعلامية القائمة الاستمرار في الأدوار التي لعبتها عامي 2011، و2013، بعد الهيمنة على السلطة، في أعقاب احتجاجات 30 يونيو.



ولكن، مع وجود 12 إعلاميا على الأقل خلف القضبان، ومع تضييق الخناق على حرية التعبير والمعارضة، تبدو تلك الواجبات مقيدة صوب النظام، بشكل يتجاوز المهنية الإعلامية.



وبالرغم من وجود أمثلة على وجود تدخل حكومي مباشر، أو رقابة، مثلما حدث عند إغلاق قنوات إسلامية معارضة، إلا أن أغلبية الرقابة الآن نابعة من مؤسسة إعلامية متعصبة منحازة للدولة.



وأدى ذلك إلى أن يضحي المشهد الإعلامي في مصر صوتًا للدولة العسكرية.



ثمة محاولات لخلق ميديا مستقلة ومهنية تقدم أصواتًا خارج الخط الحكومي، لكن بالرغم من ذلك، تعمل تلك المنصات داخل منظومة إعلامية مصممة على حجب تلك الأصوات، من خلال جوقة ثابتة من الإذعان للدولة.



البعض يرى تلك الظاهرة جزءًا من الدعم العام للحكومة الحالية، بينما قد يراها آخرون سمة مميزة لحكومة معسكرة ذات ميول استبدادية.



"عندما يضيع الحلم، يبدأ المسار المتاح للأنظمة الاستبدادية/ العسكرية بمحطة تلفزيونية أو إذاعية، وينتهي بدبابات وطائرات وبنادق"، وفقًا للصحفي المصري المخضرم، والمستشار الرئاسي، والمحلل المعمر، محمد حسنين هيكل، في كتابه الصادر عام 1984، بعنوان "بين الصحافة والسياسة".







وبينما كان نموذج السيطرة الاستبدادية على الإعلام، في ذلك الوقت، يتسم بالمركزية الحصرية للدولة، يتخذ ذلك المفهوم الآن سبلًا عديدة من التطبيق.



يقدم هيكل نموذجًا هامًا، قياسًا لحالة الإعلام آنذاك، قبل انتشار الفضائيات، حيث لم تكن الدولة تعرف إلا القنوات المحلية، وتعتبرها ذراعًا لها، ووسيلة لتحقيق الإجماع والوحدة الوطنية.



وليس مفاجئًا كلية، أن تكون العديد من المنافذ الإعلامية الحالية قادرة على الاستجابة السلسة لنداء السيسي، للعب ذلك الدور من جديد، لا سيما وأن أحد أهم الاتجاهات الحالية الملحوظة في الإعلام الخاص يتمثل في تهميش أصوات المعارضة، سواء عمليًا، أو من خلال رقابة مباشرة، تتظاهر أنها نابعة من الداخل.



تهميش المنتقدين



بعض الإعلاميين، ذوي الاتجاهات الناقدة، أمثال ريم ماجد (أون تي في), ودينا عبد الرحمن ( سي بي سي)، مُنعوا من الظهور على تلك الفضائيات الخاصة، حيث كانوا يحتلون فترات في ساعات الذروة.



وجه التشابه بين الشخصيات التي هجرت الإعلام، هو الدور البارز لها في ثورة 25 يناير، كما كانوا ليبراليين ناهضوا مرسي، الذي مُنع أنصاره في الإعلام من الظهور على الهواء. لكنهم لم يكونوا ممانعين في استضافة ضيوف، أو التطرق إلى أمور استحدثتها 30 يونيو، وقد ينظر إليها باعتبارها كارهة للنظام.



وفي حالة ريم ماجد على سبيل المثال، لا تتماشى قناعاتها مع اتجاهات القناة التي تعمل لها.



ولعل، قضية الإعلامي باسم يوسف، هي الأكثر بروزًا في هذا الصدد، حيث أوقف برنامجه مرتين، إحداهما في نوفمبر 2013، على قناة سي بي سي، والأخرى في يونيو 2014 على فضائية إم بي سي مصر.



يوسف، الساخر العنيد، كان الأكثر صراحة بين أقرانه، في التحدث عن أسباب وقف برنامجه.



وسُمح لآخرين، ممن هم أقل إثارة للقلاقل، بالبقاء على الهواء، مع "قرص آذانهم"، من حين إلى آخر.



وفي 25 أكتوبر 2014، ذهب الرئيس التنفيذي لفضائية النهار إلى غرفة ملابس المذيع محمود سعد، قبل لحظات من بث برنامجه، مخبرًا إياه أنه لن يقدم حلقة تلك الليلة. وأظهر سعد التزاما بالقرار، وغادر المحطة، آخذًا معه فريق الإنتاج الخاص به، وفقًا لبعض صحفيي برنامجه، الذين طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم.



وكانت منال عمر ضيفة سعد خلال الليلة السابقة لتلك الواقعة قد أجرت تحليلا نفسيا للسيسي، وتطرقت إلى التأثيرات النفسية للدعم الشعبي للجيش.







عمر، تحدثت أيضا عن نكسة 1967، وهزيمة الجيش أمام إسرائيل، والتي أدت إلى سبع سنوات من احتلال سيناء.



ولم تكشف النهار وقتها أسباب منع سعد من الظهور على الهواء، لكن إدارتها نشرت بيانًا عامًا، يتحدث عن تغييرات جوهرية ببرامجها السياسية، تتضمن حظر ظهور بعض الضيوف الذين يروجون لأفكار تنال من معنويات الجيش.



وبعدها بأيام قليلة، سمح لمحمود سعد بالعودة مجددًا، وعلق قائلًا إنه لا يعلم أسباب عدم ظهوره على الهواء خلال تلك الأيام.



تشييد إعلام السيسي



أعطت الفترة التمهيدية لانتخابات 2014 مذاقًا واضحًا للغاية، لما هو قادم، وتجلى ذلك من خلال الفارق الشاسع في المعاملة بين السيسي، والمرشح الوحيد أمامه على الرئاسة حمدين صباحي.



أجرى السيسي مقابلات مسجلة في أماكن خاصة، مع محاورين يبجلونه، أما صباحي الذي يرى نفسه فقط حاملًا للشعلة الناصرية، فلم يُمنح إلا مقابلات على الهواء، مع محاورين يحققون معه ويشاكسونه حول برنامجه الرئاسي، وتصريحاته الأخيرة.



ويمكن القول إن الإعلام عامل السيسي كرئيس، بينما عامل صباحي كمرشح للمعارضة.



عندما كان السيسي وزيرا للدفاع، كان أول قرار يتعلق بالإعلام بعد عزل مرسي غلق صحيفتين، وتسع قنوات خاصة موالية لمرسي، والزج بالعديد من مالكي وموظفي تلك القنوات إلى السجن.



كان واضحًا أن العلاقة بين النظام والإعلام ستدخل مرحلة عصيبة أثناء أيام السيسي الأولى في السلطة.



في 3 مايو 2014، التقى السيسي برجال إعلام مصريين، وألقى على أسماعهم محاضرة حول أهمية الإعلام في "توحيد الأمة".







وخلال أربعة شهور من انتخاب السيسي، عقد السيسي المزيد من الاجتماعات مع ممثلين للمؤسسات الصحفية والإعلامية، ولم يعارضه أحد، لكن القليل اقترحوا خطوات من أجل حرية الإعلام.



والتقت شخصيات إعلامية بارزة مع السيسي أكثر مما فعل أي أشخاص مدنيين، أو مجموعات ذات مصالح خالصة خلال تربعه على السلطة.



وجنت الدولة ثمار انشغالها بدور الإعلام، فيما يتعلق بدعم الحكومة، حيث أسفرت عن تقارير تتسم بالتحيز.



وبينما يواجه العديد من الصحفيين مخاطر حقيقية في تغطية الاحتجاجات والأنشطة المتعلقة بالإخوان، يجابهون أيضا قيودًا من ممارسة واجباتهم الروتينية، عبر سلم هرمي إعلامي، يأخذ إشاراته من النظام.



من جانبه، قال الناشط الحقوقي جمال عيد مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان: “ ثمة عودة إلى نظام مبارك، من خلال وجود شخصيات تندرج تحت بند القوائم السوداء غير الرسمية غير المرغوب فيها على شاشات التلفاز"، ووفقا لعيد، فإن الإعلام الخاص ذا الولاء للنظام قرر منع شخصيات من الظهور كنقاد.



بدوره، قال محمد حلمي، المسؤول السابق بـ "سي بي سي إكسترا" إن الواضح أن الإعلام اتفق مع السيسي على أن "هناك حربًا على الإرهاب، وعلى الإعلام أن يلعب دوره"، لكن بنود ذلك الاتفاق فضفاضة، كما أن العديد من المؤسسات الإعلامية تعمد إلى ترجمة ذلك إلى وسيلة تطالب فيها بحظر أي رأي مناهض للدولة.



بصيص ضوء



داخل الوسائل الإعلامية الورقية وعلى الإنترنت، تحاول العديد من الوسائل الحفاظ على قوة دفع ثورة 25 يناير، والتي حشدت جيلًا من الصحفيين المستقلين الذين يتسم نهجهم بالصراحة، مثل "البديل"، و"مدى مصر" المستمرتين في إنتاج تقارير وتحاليل لن تسمح بها المنافذ الإعلامية السابق ذكرها.



لكن من المؤكد أن هذا الجيل لا يسمح له بالظهور في وسط إعلامي أكثر انتشارًا كالتلفاز.



وتضمن دستور 2014 تشريعًا جديدًا ينص على حل وزارة الإعلام، وإنشاء هيئة إعلامية مستقلة للصحافة والإعلام، بما يمنح فرصةً لخلق وضع لا تتدخل فيه الدولة مباشرة في الإعلام، ولكن غموض ذلك البند، بالإضافة إلى علاقة المنظومة الإعلامية بالدولة قد يعني عدم إمكانية تحقق ذلك الانفصال.



القوانين والتنظيمات المبهمة تبدو أنها إحدى الإستراتيجيات الأساسية للدولة للهيمنة على الإعلام.

وقال أحد المديرين في قناة تحمل طابعًا سياسيًا طلب عدم ذكر اسمه أو اسم المحطة التي يعمل بها: "أعمل لدى قناة لبنانية، وينبغي أن أحتفظ بوظائف أخرى، لأنك لا تدري متى تغلق الشرطة قناتنا".

وأشار إلى أن قناته ما زالت تنتظر موافقة السلطات المصرية منذ أكثر من عام، بالرغم من التقدم بطلب للحصول على ترخيص كامل.

السبب الرسمي وراء قرارات المحكمة بغلق قنوات هي عملها دون الحصول على التراخيص اللازمة، مثلما حدث مع الجزيرة مباشر مصر.



مصر العربية

0 التعليقات:

Post a comment

 
الحصاد © 2013. All Rights Reserved. Powered by Blogger Template Created by Ezzeldin-Ahmed -