كثيرة هي مشاهد إهانة الشعب المصري التي تصدر يومياً من جوقة الانقلاب وأذرعه الإعلامية والثقافية. آخر هذه الصيحات ما صرح به كاتب صحافي "إحنا شعب زبالة" "إحنا شعب نمرود". والحقيقة أن هذه النبرة في تسفيه الشعب وإهانته ليست جديدة، بحيث نلصقها بهذا الكاتب فقط، بل إنها تشكل منهجا يسير عليه كل أذرع الانقلاب الإعلامية والثقافية. 

بدأت هذه الحملة بحملات للمدح والتحريض في عهد محمد مرسي، بمقولات مثل "شعب غلبان" "شعب متبهدل" "شعب لم يجد من يحنو عليه" "شعب لما يحس إنه كرامته بتتهان ينتفض" "لازم تثور البلد بتضيع" ، وما أن انتهت زفة 30 يونيو، وتم الانقلاب، حتى بدأ الوجه الآخر من الشريط أو الأسطوانة"، "انته أصلاً شعب نمرود" "احنا كده شعب ما يمشيش غير بالعصا، لازم اللي يضربنا بالكرباج"، "الشعب ده عاوز دكر"، حتى وصل الأمر بأحد الأذرع الإعلامية أن يصرح قائلاً "يا عزيزي، كلنا فاسدون"، في محاولة لإسكات من بدأوا يلاحظون مهرجان البراءة للجميع فى كل قضايا الفساد المالي ونهب ثروات البلاد والعباد، أمثال حسني مبارك وأولاده وحسين سالم وأحمد عز وغيرهم .
كانت هذه نغمات بث الخنوع والاستسلام للفرعون الجديد عن طريق إيهام الشعب بحاجته الفطرية إلى من يضربه بالكرباج، أما عن نغمات المطالب الاقتصادية والاجتماعية فحدث ولا حرج، فقد تحولت، هي الأخرى، ومن وجه التحريض أيام مرسى إلى وجه التثبيط والشماتة في الناس، بنشر مقولات بدأت رقيقة بعض الشيء "الراجل يجيب منين" "مش هاتتصلح من يوم وليلة" "اصبروا شوية" "استحملوا شوية" "الراجل ضحى عشانكم وكان ممكن يتعلق"، ثم ارتفعت النبرة فجأة بمقولات "مفيش"، "هاتكلوا مصر يعني"، "مفيش مطالب فئوية"، "خلي بالك، إنت ممكن تهد الدولة"، "احنا في حرب"، "إحنا في معركة وجود"، "لازم تفهموا كده"، وانتهت بإقرار مبدأ فصل وإحالة أي عامل يعطل العمل باحتجاج، أو مظاهرة للمعاش (وكان ذلك في اليوم التالي لعيد العمال 3 مايو) .لكن، الأغرب في هذه النغمات نغمة إحدى الأذرع الإعلامية التى تحولت إلى "ست نقاقة"، تخاطب السيدات قائلة "معقولة أنزل السوبر ماركت في رمضان الماضي ألاقي الستات بيشتروا مكسرات وقمر الدين وخلافه ...فيه إيه، احنا في حالة تقشف..إنتو مش واخدين بالكو ولا إيه".

أضف إلى ذلك المقولات الاستخفافية التي تصدر عن المسؤولين فيما يتعلق باحتياجات الناس اليومية وارتفاع الأسعار، فهذا وزير البيئة يقول للناس، تعليقاً على كارثة الفوسفات "متقلقوش في دول تانية بترمي الفوسفات في النيل عشان فيه فايدة للصحة"، وآخر يصرح "متقلقوش الفوسفات لا يذوب في الماء"، وهذا وزير التموين حين يُسأل عن أسعار الطماطم المرتفعة البالغة 10 و12 جنيها، يصرح قائلاً "الطماطم طول عمرها مجنونة"، "اشتروا صلصة بدل الطماطم "، وحين يسأل عن سعر البامية الذي وصل إلى 30 جنيها، يقول"اشتروا كوسة بدل البامية". هكذا يتعاملون مع الناس واحتياجاتهم الأساسية البسيطة.

يتساءل بعضهم لماذا يستخفون بالشعب إلى هذه الدرجة، وهل هذا الأمر يتم بطريقة تلقائية أم ممنهجة. في رأيي، الأمور تسير بخطة ممنهجة متعددة المستويات، الأول سياسي بإيجاد حالة من حالات الاستسلام والخنوع لدى الشعب، بطريقة بث المقولات المضللة التي تصوره، كما لو كان شعباً من الرعاع والهمج بالفطرة، بما يعني حاجتهم إلى الفرعون الذي يسوقهم بالقوة (العصا أو الكرباج كما في مقولاتهم). هنا، تصبح مقولة الفرعون، أو المستبد، فطرية هي الأخرى، لتلائم ما تم ترويجه بأنه فطري في الشعب. يلي ذلك تشويه حالة الثورة نفسها باعتبارها حالة همجية، قام بها مجموعة من الطائشين الهمج، فاقدي الوعي، أو المدعومين من الخارج. المهم أن يتم التشويش على أي احتمال يقود إلى أنها كانت حركة واعية من شعب واعٍ مدركٍ فساد عصابة الحكم التي تحكمت في مقدراته، ومستقبل أولاده وأجياله المقبلة، وبذلك تتم خطة تشويه الحدث، ومن قام به، وتترسخ فكرة الاستسلام للواقع.
على المستويين، الاقتصادي والاجتماعي، تتم الخطة ببث حالة الخوف من أي مطالبات أو استحقاقات، بطرق مختلفة، أهمها التخويف مما هو قادم، تحت شماعة الحرب والإرهاب، بمنطق "احمدوا ربنا مش أحسن ما نبقى زي سورية أو العراق"، بدلا من منطق "هو احنا ليه منبقاش زي ألمانيا وكندا أو ماليزيا وإندونيسيا". والأسلوب الآخر هو التخوين والأخونة، لمن لم يقتنع بشماعة الحرب والإرهاب، وتمسك بمقولات الجنرال "إن هذا الشعب لم يجد من يحنو عليه". هنا، يتم تخوينك وتحميلك المسؤولية عن توقف عجلة الإنتاج المعطلة منذ سنتين، بسبب الحرب على الإرهاب، أو تتم أخونتك بالقول إنك من الإخوان الإرهابيين المعادين للوطن، فيتم التخلص منك بدعوى الإرهاب، وهذا ما تنتهجه كل الوزارات الآن، جديدها وزارة الكهرباء التي أعلنت عن فصل ألف عامل بحجة انتمائهم للإخوان وغيرهم في مصالح حكومية أخرى.
ما نريد أن نقوله إن مقولة الكاتب إياه "احنا شعب زبالة"، ومقولات "الشعب غير المؤهل الذي لا يستحق الديمقراطية"، أو "شعب جعان متنيل بنيلة"، أو هو شعب يستطيعون، في كل مرة، استدعاءه "شعب اللقطة"، ثم يقومون "بتلبيسه العمة"، أصبح في عرفهم مادة تسوّلهم، هذه المقولات ليست عفوية، وإنما تأتي في إطار حملة عامة يقوم عليها جوقة ممن يسمون أنفسهم مثقفين أو كتاباً صحافيين وإعلاميين لقطاء، لبث روح اليأس والاستسلام في نفوس الشعب، في إطار محاولة لحرث الأرض لاستبداد ما زالت التربة المصرية تلفظه، كلما حاول أن يبذر فيها، فكل بذوره فاسدة، يضرب فيها العطن من كل جانب، ولا تستحق إلا إن تلقى في الزبالة، لا أن تبذر في تربة مصر الطيبة، ثم تستوي لأهلها الطيبين مرة أخرى، ليبذروا بذورهم الصالحة، من دون خوف. كسروا حاجز الخوف، وشكلوا الرقم الصعب الذي لا يمكن تجاوزه، الشعب الصابر يولد من جوفه شعب ثائر، مثل هذا الشعب لم يكن "زبالة"، لكنه حتما سيكنس "الزبالة".

العربي الجديد

0 التعليقات:

Post a Comment

 
الحصاد © 2013. All Rights Reserved. Powered by Blogger Template Created by Ezzeldin-Ahmed -