لا أعتقد أني قرأت توصيفاً أكثر دقة، لتطور مشاعر وأمزجة الكثيرين في مصر خلال السنوات الماضية، من سطور كتبها صديق، كان يبدو لي دائماً أنه يتابع الأمور من مبعدة، من دون أن يتورط في التعليق عليها، وكنت أظنه عقلانياً أكثر من اللازم، ربما لأنه ناجح في مجاله الذي قد يبدو لبعضهم بعيداً عن العك المؤلم الذي تقاسي منه مهن كثيرة أخرى، ليتضح لي أنه ليس كذلك، بعد أن قرأت تدوينة قصيرة، جاء فيها:

"أنا فاكر أول نطق بالحكم على مبارك وأعوانه في قضية القرن باللحظة، فاكر كنت فين وباعمل إيه، وإزاي سِبت كل حاجة عشان أتابع الحدث على الهواء، وإزاي تأثرت من الكلام اللي قاله القاضي وبالأحكام، أحاسيس كتير وأفكار أكتر جت لي عن العدل والأمل في المستقبل لبلدي، وللناس اللي فيها، ما كانش عندي أي حاجة شخصية، مجرد الحياة في مكان مبني على أساس صح، وطاقة إيجابية وشوية كلام وشعارات، وقتها كان لها طعم، بعد مرور حوالي خمس سنوات أو أربعة مش فاكر بالضبط، زي ما أنا مش فاكر وقت الحكم على مبارك بالسجن المشدد لثلاث سنوات في قضية القصور، أنا كنت فين وباعمل إيه، فاكر إني قريته عند حد في "فيسبوك" وكسلت أعمل لايك، ده هو ملخص المجهود الرائع للمايسترو اللي بيهندس الهناديس، تحياتي وألف مبروك عليكو الخرابة".

رد فعل آخر، أكثر غضباً وقسوة، قرأته في تدوينة كتبها صديق أصغر مني سناً بعشرين عاماً، كنت أعتبره دائماً مثلاً للإشراق والتفاؤل والبهجة الدائمة، وكان يجمعنا الحديث، أحياناً، عن أحلامه العريضة ومشاريعه العديدة، لكن ذلك كله تغير، بعد أن تعرض صديق حميم له للموت، بسبب الإهمال الحكومي الفاضح في حادثة شهيرة، ثم توالت بعد ذلك أزمات اعتقال أو قتل أو هجرة أو إحباط بعض أصدقائه، بالإضافة إلى ما يلقاه من مضايقات مستفزة في وسط عمله، المليء بمن كانوا يعتبرون الثورة عدواً واضحاً، وأصبح تنغيص عيشته متعة يومية لهم. ولذلك، لم أستغرب أن أجده يكتب على حسابه هذه السطور القاسية: "أنا طالع دين أمي ومحبط جداً، ومش طايق أي حاجة تخص مصر بجميع تفاصيلها، بعيدا بقى عن صح وغلط، هو ده الوضع، ما عنديش طموح لأي حاجة، ولا عندي أي رغبة للتعامل مع أي حاجة سواء بالإيجاب والسلب، وما فيش أي استعداد للدفاع أو الحرب عن أي شيء، وما فيش انتماء لأي شيء، الإحباط الشديد في مقتبل العمر ده كابوس، العيشة كلها ستين خرا وبتزداد خرا، مفيش أي حل، لا شغل ولا فلوس ولا أكل ولا شرب ولا هجرة لبلاد تانية، أي تطورات هتحصل الفترة الباقية من الحياة، هي إرهاصات لا أكثر ولا أقل، العالم الحقير انتهى، ويا ريت ما يكونش في أي حياة أخرى بعد النهاية دي لو أمكن". 

بالطبع، وجد صديقي من يقول له مثلي، ومثل غيري، كلاماً صادقاً عن حتمية ما يجري كطريق للعبور إلى المستقبل، وعن ضرورة الأمل كطريق وحيد لا نملك غيره، وعن اليأس كرفاهية لا نملكها، وهو أسمعنا كلاماً يليق بنا، ومع ذلك، ما زال بعضنا مصمماً على أن يتفقده من حين إلى آخر، وبعضنا أصبح يتحاشاه، لأن المسائل "مش ناقصة"، لكن المشكلة الأكثر حزنا وخطورة، أننا جميعا نعرف أن حالة صديقنا ليست فردية، بل هي حالة تشيع وتنتشر بين عشرات الآلاف من الشباب على أقل تقدير، والذين لم تكن ثورة يناير لديهم مرتبطة بمكاسب شخصية، بل بحلم أكبر وأوسع، هو أن تتاح لهم فرصة تفجير مواهبهم وطاقاتهم، من أجل تنظيف بلادهم من الفساد والظلم والجهل والتخلف، لتكون على قدر ما يحلمون لأنفسهم ولها. ولذلك، يخطئ من يتعامل مع هزائمهم بوصفها أمرا شخصيا يخصهم، لأن الهزيمة حين تكون أمراً متعلقا بالأحلام الوطنية والآمال العامة، سيرتد أثرها على الجميع، من دون استثناء، سواء كانوا شامتين أو متعاطفين أو كارهين أو مطنشين. 

ليس عندي أدنى شك أن دولة عبد الفتاح السيسي، بضباطها وقضاتها وأجهزتها السيادية وأذرعها الإعلامية وجماهيرها المفوضة، ستعتبر كلاما كالذي كتبه صديقاي انتصارا لها، لأنه يمثل تأكيدا على نجاحها المبين في القمع والسيطرة، فهي دولة أغبى من أن تدرك خطورة أن يتحول الشاب المصري تحديداً، من مواطن حالم إلى مواطن غير مكترث، فضلاً عن أن يحوله الظلم إلى مواطن ساخط أو كاره أو مخرب. ولذلك، فإن سيطرتهم التي يفرحون بها، لن تجديهم كثيرا، لأنه ليس من الشطارة أبداً أن تسيطر على خرابة.

العربي الجديد

0 التعليقات:

Post a Comment

 
الحصاد © 2013. All Rights Reserved. Powered by Blogger Template Created by Ezzeldin-Ahmed -