ترددت كثيراً قبل أن أرسل هذه الرسالة، قلت يعني لا يصح أن تكون البلد في حالة يرثى لها، بينما أنشغل أنا بهذه التفاهات، لكنني، بعد كل ما شاهدته في وسائل الإعلام في الفترة الماضية، قلت: بصراحة ما بدهاش يعني، فإذا كان الذين يكتوون بنار أحوال البلاد، يشغلون أنفسهم بما أراه تفاهات، ويعتبرونها حدثاً جللاً، فلماذا أصمت، إذن، على محاولات طمس هويتي بتلك الصورة المخجلة؟

سأقولها لكم جميعاً على بلاطة: هل هذه هي أصول الجيرة والعشرة الطويلة؟ هل هذا هو الرفق بالحيوان الذي أمركم به دينكم الحنيف؟ هل يصح أن أصحو ذات يوم من النوم، لأجد اسمي، وقد تحول من (السيسي) إلى (الشيتلاند)؟ من دون أن أستشار ولا يؤخذ رأيي، لمجرد أنكم تخجلون من تشابه اسمي مع اسم رئيس بلادكم، ولماذا كنتم لا تجدون مشكلة في حمله لنفس اسمي، حين كان وزيراً للدفاع، ولماذا أصبحتم تشعرون بالعار من اسمي، فقط حين أصبح رئيساً للجمهورية؟

يا نهار إسود، لا أصدق أني أتكلم في موضوع مثل هذا؟ طيب والله، وليس لك عليّ حلفان، لو وردت في حكايات كليلة ودمنة قصة عن حيوانات في غابة تغير اسم أحد الحيوانات، لتشابهه بالمصادفة مع اسم عائلة ملك الغابة، لشخر الملك دبشليم للفيلسوف بيدبا، وقال له: يستحيل أن تكون الحيوانات تافهة إلى هذا الحد، ولسأله بذهول: كيف يمكن أن يتصور أحد أن يحل هذا التغيير مشاكل الغابة المتلتلة؟ وهل سيخفي هذا التغيير إلى الأبد حقيقة وجود حيوان يحمل اسم الملك نفسه، وأنه حين يغادر الملك منصبه، سيعود ذلك الاسم للتداول علناً، مصحوباً بحكايات ساخرة عن تفاهة الذين اختاروا تغيير ذلك الاسم ذات يوم؟ كما حدث في دولة عربية، حمل رئيسها اسم الأسد، فأصبح ذكر اسم اللبؤة فيها بشكل ساخر مخاطرة لا تحمد عقباها. 

"الشيتلاند"، يا الله، كيف أتعايش مع اسم كهذا؟ وأنا الذي عشت، طيلة عمري، أفخر بأنني أحمل اسماً عربياً أصيلاً، يحمله معي لواءات ودكاترة ومهندسون وأساتذة جامعة ورجال أعمال، فبمن أفتخر الآن؟ وإلى من أنتسب، وأنا أحمل هذا الاسم الهجين كريه الرائحة؟ وهل يشعر العبقري الذي اختار تغيير اسمي بالرضا عن نفسه حقاً؟ وهل يعرف أنه قام بتحويل المنطقة المحيطة بي، إلى مكان تتصاعد فيه الضحكات الرقيعة، كلما رأى الزوار اسمي الجديد، ليبدأوا بالتغامز والتلامز، وينتظر بعضهم خلو المكان من الحرس، ليبدأ في رميي بالحصى والزلط، وبعضهم يسبني ويلعنني ويصفني بأنني قاتل وخائن، ولم يبق إلا أن يقتحم أحد مهاويس وهم الشرعية بيتي، ليقرر أن يمارس عليّ شجاعته المتوهمة، فأصبح عليّ أن أضيف إلى هموم الحبسة في جنينة الحيوانات هم الخوف من المداهمات المفاجئة، من بشر باتوا يرتكبون حماقات تخجل منها الخراتيت، أغبى المخلوقات التي قابلتها في حياتي التي لم تعد تَسُرّ الصديق.

أمس، شاهدت مقطعاً مصوراً لمذيع كبير لديكم، يعلق فيه على تسلل أحد زملائي إلى مطار القاهرة، ولم أصدق أنه لم يجرؤ على أن ينطق اسم زميلي السيسي كاملاً، مكتفيا بابتسامة ساخرة، وهو يقول "سي"، قبل أن يكمل "حمار صغير.. جحش يعني"، ليتناقل الملايين من أبناء جلدتكم ذلك المقطع، ما بين متسائل عن سر جرأة المذيع المفاجئة، وما بين لاعن سنسفيل وقاحته، وأنا بصراحة لم أكن أتصور أن تكون حياتكم بائسة إلى هذا الحد، ولا أدري ماذا ستفعلون، إذا وصل إلى كرسي الرئاسة واحد من عائلة الجحش أو البغل أو القط أو الضبع أو الديب أو الفار؟ هل ستحظرون ترديد هذه الأسماء في نواحي البلاد؟ أم ستبحثون لها هي أيضا عن أسماء أجنبية تختبئ خلفها؟ أم هل ستضيفون إلى دستوركم مادة توجب تغيير أسماء الحيوانات، إذا وصل من يحملها إلى رئاسة البلاد؟

بداخلي غضب عارم، أريد التنفيس عنه، بأن أصرخ في وجوه الجميع، بأنني لم أفعل شيئاً يستوجب محو هويتي، وتغيير اسمي، فأنا لم أتسبب في قتل الآلاف، كما فعل رئيسكم الذي تنفرون من أن أشاركه اسمه، لم أكن سبباً في أن تسكن التعاسة آلاف البيوت التي تحِنّ إلى لقاء حبيب أو قريب تُغيبه أسوار السجون، لم أختر لمعاونتي حفنة من الفشلة، ليزيدوا طين حياتكم بلّة، لم أتحالف مع الفسدة والجلادين والخائضين في الأعراض، لم أعدكم بوعود تحولت إلى فنكوش سريع التطاير، كما فعل رئيسكم الذي كان أولى بكم أن تغيّروا اسمه، بدلاً من أن تتشطروا عليّ، لمجرد أني لا أملك القدرة على القتل والقمع وخراب البيوت.
ما أتفهكم.

العربى الجديد

0 التعليقات:

Post a comment

 
الحصاد © 2013. All Rights Reserved. Powered by Blogger Template Created by Ezzeldin-Ahmed -