من أبرز الأخطاء الشائعة في مصر، والتي دفع كثيرون ثمنها غالياً في الماضي والمضارع، وسيدفع كثيرون ثمنها غاليا في المستقبل: الاعتقاد أن جملة "أكلت يوم أكل الثور الأبيض" لا تُقال في العمر إلا مرة واحدة على لسان الثور الأحمر، مع أن أي تأمل لتاريخ القوى الثورية وصراعاتها مع السلطة يكشف أن هذه الجملة بالذات يمكن أن تُقال مرات عديدة في العمر، على ألسنة عدد لا نهائي من الثيران مختلفة الألوان، ومهما ظننتَ أنك معصوم من النطق بها، يمكن أن تجدها تجري على لسانك، إذا قررت أن تلغي عقلك، وتكون ثوراً لا يتعلم من تجارب التاريخ. 

على مدى أشهر، ظل الإخواني يقوم بكل نشاط بتشيير صور وفيديوهات لثوار يتظاهرون ضد محمد مرسي، وهم يحملون الأسلحة النارية والبيضاء وزجاجات المولوتوف، معتبراً أنها رد قاطع على من يطالبون بمحاسبة مرسي على مسؤوليته السياسية عن قتل محمد الجندي وكريستي والحسيني أبو ضيف، وغيرهم من الشهداء الذين لم يشتهروا في وسائل الإعلام، قائلا بملء فمه "في تظاهر سلمي يستخدم سلاح كده؟"، والثائر كان يرد أن هناك آلافاً يسيرون في المظاهرات السلمية لا يحملون الأسلحة، ومسؤولية من يحكم أن يقبض على المسلحين، ويؤمِّن السلميين، لأن كل من قُتلوا لم يثبت أنهم حملوا السلاح أبداً، والإخواني كان يعتبر أن مجرد السير في مسيرة بها مسلحون، يبيح دمك للضباط والجنود الذين لطالما تغزل رئيسه بشجاعتهم وبطولتهم.
..أخيراً، لعب ثوار كثيرون، للأسف، دور الإخواني المبرراتي، فبعد أن كانوا يُحمِّلون حسني مبارك وحسين طنطاوي ومحمد مرسي ورجالهم مسؤولية كل قطرة دم سالت في عهودهم، لم يعد صوت أغلبهم يعلو بالحديث عن المسؤولية السياسية لعدلي منصور وحازم الببلاوي وعبد الفتاح السيسي ومحمد إبراهيم عن الدماء التي سالت في أيامهم، ولم يعد أحد يطلب عزلهم أو حتى التحقيق معهم. بعض الثوار حاول تبرير هذا التناقض بقوله إن هناك فرقا بين أسلحة الثوار وأسلحة الإخوان، وفرقا بين الثوار والإخوان أنفسهم، كأن المشكلة كانت في نوع السلاح ونوع حامله، وليس في فكرة حمل السلاح نفسها. ينسى هذا الثائر أنه كان حتى وقت قريب يشتم كل من يتمسك بالسلمية، رافعا في وجهه شعار "خالتك سلمية ماتت انسى الثورة اللي فاتت"، الذي سطا عليه "الإخوان" الآن هو وغيره من الهتافات الثورية التي كانوا يلعنون كل من يرفعها في وجه حلفائهم بالأمس.
كان هذا الثائر يقول، بالأمس، لدعاة السلمية "سلمية إيه شفت فلان اتقتل إزاي بكل بشاعة"، ومثله يفعل اليوم الإخواني، عندما يسب كل من يطالبه بالتهدئة، وإدراك خطورة الانزلاق إلى ممارسة العنف التي ستؤدي لمزيد من الإهدار لدمه. يستخدم "الإخوان" اليوم صور الشهداء الذين قتلوا على أيدي قوات الأمن والجيش، ناسين كلامهم بالأمس عن ضرورة التهدئة والتركيز على البناء والإنتاج، ومثلهم ينسى بعض الثوار الآن كلامهم بالأمس عن ضرورة تطهير الشرطة ومحاسبة قيادات الشرطة والجيش المتورطين في الدماء.
...بالأمس، عندما كان الثوار يتعرضون للقمع، كان الإخواني يدير وجهه قائلاً "ماحنا ياما خدنا نصيبنا ماتورطوناش في معارككم"، ظنا منه أن طرمخته ستنجيه، واليوم يدير بعض الثوار وجوههم تجاه ما يجري للإخوان من قتل عشوائي وقمع وانتهاك لحقوقهم، وبعضهم يزايد عليك، حتى لو أعلنت رفضك ما يجري بمقال أو تدوينة، قائلا "احنا خدنا نصيبنا ودي مش معركتنا"، ظناً منه أن ما حدث له من قمع لن يحدث ثانية، مع أن الأيام ستذكّره، عاجلا أو آجلاً، بمقولة الثور الأحمر إياها، فبعد أن تنتهي الأجهزة الأمنية من تثبيت دعائم سلطتها مجدداً بمساعدة الخدامين الجدد، من المثقفين المؤمنين بنظرية (حرية الأستك)، التي تتسع وتضيق حسب مقاسهم الفكري، عندها لن يكون أمام كل من هللوا لما يجري الآن سوى اختيارين: أن يقبلوا بأن يكونوا ثيرانا نشيطة في إدارة ساقية المصالح، فيتحولوا إلى مسوخ تبرر كل ما تريده السلطة بتقفيل أشيك، أو أن يرفضوا اللف في تلك الساقية، فيتعرضوا للأكل، كما أُكِل الذين من قبلهم.
.
.. سيتكرر ذلك للأسف، طالما ظللنا نرضى بـ "لخفنة المعايير" التي تجعلنا نتذكر القانون والعدالة والإنسانية عندما نحتاجها، ونتناساها، بل وندوس عليها عندما يتعلق الأمر بالآخرين، بالأغيار، بالخصوم، ظنا منا أننا لن ندفع ثمن ذلك في المستقبل، وتصديقاً منا للخطأ الشائع الذي يظن أن جملة "أُكِلت يوم أكل الثور الأبيض" تقال مرة واحدة في العمر.
(من مقال بالعنوان نفسه نشرته في صحيفة الشروق بتاريخ 24 أغسطس/آب 2013)

العربي الجديد

0 التعليقات:

Post a comment

 
الحصاد © 2013. All Rights Reserved. Powered by Blogger Template Created by Ezzeldin-Ahmed -