تحظى نظرية النخبة Elite theory بحضور واسع في التحليل السياسي والاجتماعي المعاصر، على الرغم من أنها لا تجد نفس الاهتمام على الصعيد النظري. تطرح النظرية أن السلطة ترجع في الواقع إلى مجموعات المصالح الاقتصادية والسياسية وشبكات صناعة القرار بمعزل عن العملية الديموقراطية الانتخابية. تمثل النزعة الأرستقراطية صيغة كلاسيكية لنظرية النخبة حيث تميل إلى اعتبار أن عوائل بعينها، هي مؤهلة لحيازة السلطة خلقيا دون الجماهير. لكن الصياغة التنظيرية الحديثة اكتملت مع ما يعرف بـمدرسة النخبوية الإيطالية والتي تضم الثلاثي فيلفريدو باريتو، جيتانو موسكا، روبرت ميشيل.

كان فيلفريدو باريتو (1923) أحد علماء الاقتصاد الذين نجحوا في نقل الاقتصاد من مبحث من مباحث الفلسفة الطبيعية إلى علم رياضي يعتمد على البيانات والإحصاء، مما جعله أحد المؤسسين لما يعرف بالميكروإيكونوميكس التي تدرس السلوك الاقتصادي للأفراد وأثره على وضع السوق والعرض والطلب والأسعار. تبنى باريتو بناء على دراساته الاقتصادية ووضع إيطاليا إبان تلك الحقبة (حول الحرب العالمية الأولى) رؤية داروينية للمجتمع باعتباره مجموعة من الطبقات المتصارعة التي ينبغي أن يفنى الضعيف منها وأن يحافظ القوي على سيطرته على الثروة والسلطة. ألهمت أفكار باريتو الحركة الفاشية في إيطاليا حيث رأى باريتو أن الفاشية هي المرحلة الانتقالية التي يتم خلالها حصر نفوذ الدولة على الاقتصاد لإطلاق يد القوى الاقتصادية "النقية". كان باريتو كما وصفه الفيلسوف النمساوي كارل بوبر: "منظر الشمولية".

إذا كان باريتو قد اعتمد على الاقتصاد في توصله إلى رؤيته الداروينية عندما رأى أن توزيع الثروة لا بد أن يصب في مصلحة القوي، فإن المفكرين السياسيين جاتينو موسكا (1941)، و روبرت ميشيل (1936) قد رأوا أن ثمة قانون تاريخي أطلق عليه ميشيل "القانون الحديدي للأوليجاركية" حيث أن ثمة "طبقة سياسية" أو "طبقة حاكمة" تتواجد في كل مجتمع وتكون مسئولة عن إدارته السياسية. ففي عام 1911، كتب روبرت ميشيل عمله الشهير "الأحزاب السياسية" والذي حاول خلاله أن يدرس ما رآه مفارقة حديثة، وهي أن الديموقراطية الليبرالية المعاصرة قد أتاحت الفرصة لنشأة منظمات ذات أهداف ثورية، ولكن بمرور الوقت وزيادة تعقيد التنظيم، تصير، وللمفارقة، أقل ديموقراطية، ومحكومة من قبل مجموعة من القادة المحافظين، ومن هنا خلص ميشيل إلى قانونه: "إذا دعوت إلى تنظيم، فأنت تدعو إلى أوليجاركية".

هكذا كانت نشأة نظرية النخبة تطرح، كما صرح بذلك باريتو، أن الديموقراطية هي مجرد أكذوبة أو وهم لا يمكن تحقيقه؛ وكان البديل لدى المدرسة الإيطالية هو واقعية حكم النخبة بما تحتويه تلك الواقعية من داروينية غير أخلاقية. أعيد بعد ذلك طرح الفكرة حديثا في كثير من الدراسات التي لم تستهدف صناعة نظريات على النحو الذي قامت به المدرسة الإيطالية، وإنما استهدفت تلك الدراسات الكشف عن زيف الديموقراطية المعاصرة. ففي عام 1956، ظهر كتاب "النخبة القوية The Power Elite" لعالم الاجتماع الأمريكي شارلز رايت ميلز (1962) والذي حاول فيه أن يجيب عن السؤال الذي أثاره ملهمه فرانز ليوبولد نيومان في كتابه (1942) "وحش البحر Behemoth": وهو كيف وصل النازيون إلى السلطة في دولة الديموقراطية؟ حيث رأى ميلز أن النخب القوية في الولايات المتحدة هي التي تحكم بالفعل وأن الديموقراطية تتعرض للتفكيك في المجتمعات الحديثة. وقد عد ميلز ست مجموعات: العائلات التاريخية في الولايات المتحدة التي تتربع على قمة الهرم الاجتماعي، المشاهير من الإعلاميين وغيرهم، المدراء التنفيذيين، الأثرياء من أصحاب المؤسسات العملاقة، أمراء الحروب جنرالات الجيش، الحكام المستبدين السياسيين.

لم يكن كتاب ميلز هو الوحيد من نوعه، فقد نشر عالم السياسية الأمريكي إلمر إيريك شاتسشنايدر (1971) عمله الهام (1941) "الشعب النصف سيد: رؤية واقعية للديموقراطية في الولايات المتحدة The Semisovereign People" والذي خصصه لنقد "النظرية التعددية Pluralism" (سنتعرض لها لاحقا)، حيث يرى شاتسشنايدر أن أصحاب التعليم والدخل الأعلى والذين يشاركون فعليا في جماعات المصالح هم صناع القرار الحقيقيين لا الناخبون في العملية الديموقراطية. كما حظي كتاب دومهوف "من يحكم أمريكا" (1967، 2009) بقبول وانتشار واسعين.

نوع آخر من النخبوية أشار إليه ميلز ولكن سبق وأن طرحه عليه الفيلسوف الأمريكي جيمس برونهام (1987) في كتابه "الثورة الإدارية The Managerial Revolution". يرى برونهام أن الرأسمالية إلى زوال، وهي الفكرة التي بقيت معه من ماضيه التروتسكي، ولكنه لم يعد يرى بعد تحوله إلى اليمين أن القادم هو المجتمع الاشتراكي، وإنما مجتمع يتحكم فيه المدراء، لا العمال ولا أصحاب رؤوس الأموال. أثرت فكرة فيما عرف بـالمحافظين القدامى Paleocons وعلى رأسهم سامويل فرانسيز و باول جوتفريد، والذين رأوا أن الدولة الإدارية التي تحكم الولايات المتحدة اليوم ما هي إلا نوع من التوتاليتارية المهذبة.

في مقابل نظرية النخبة، تطرح التعددية Pluralism نفسها كنوع من تطوير الديموقراطية وكمقاربة مختلفة لمفهوم السلطة لا يحصرها في الحيازة المباشرة للسلطة. يطرح روبرت دال (2014) الفيلسوف السياسي الأمريكي أبرز منظري التعددية، البولياركية Polyarchy، بمعنى توزيع السلطة بين أكثر من فرد (ترجم نمير مظفر، كتاب دال "الديموقراطية ونقادها" (1989) إلى العربية عام 1995).

توظف نظرية النخبة اليوم من قبل نقاد الديموقراطية العرب في التزهيد في الديموقراطية واعتبارها مشروعا زائفا أو غير قابل للتطبيق، ولذا يطرح السؤال نفسه: هل النخبوية هي فعلا واقع لا مفر منه، وهل الديموقراطية هي فعلا مجرد وهم، أم أن الأمر على خلاف ذلك؟

إذا كانت النخبوية واقعا لا مفر منه، فإن أثر إرادة الناخب وتنوع أدوات السلطة تمثل في الوقت ذاته واقعا لا يصح التغافل عنه وإنكاره. فالديموقراطية كما يبدو أداة ضغط ينجح عبرها الناخب العادي في الحفاظ على حد أدنى من مصالحه من أن تسرقها النخب المتصارعة. كما أن الديموقراطية هي مناخ يتيح نوعا من تكافؤ الفرص للنابهين للولوج إلى نادي النخبة والمشاركة في صناعة القرار؛ ولذا فإن الديموقراطية تنجح في خلق أنظمة تتوزع فيها السلطة بين هيئات متعددة، تنجح كل هيئة منها في صناعة كوادرها التي تصب أخيرا في مصلحة بناء دولة قوية، في مقابل التجريف وفقر الكوادر التي تعانيه الأنظمة غير الديموقراطية (وهو ما نشهده اليوم في الفارق بين إيران وتركيا من جهة وبين سائر الدول العربية من جهة أخرى). تبقى بعد ذلك حقيقة الحيازة النخبوية للنصيب الأكبر من السلطة وصناعة القرار تحديا تواجهه الديموقراطية، لكن العلاج يبقى بلا شك أي شيء سوى الإطاحة بالديموقراطية نفسها، حيث يبدو ذلك العلاج نوعا من الخيار الشمشوني.


مصر العربية

0 التعليقات:

Post a Comment

 
الحصاد © 2013. All Rights Reserved. Powered by Blogger Template Created by Ezzeldin-Ahmed -