على مر الزمان 
كان قد تورّط في مطلع العام الدراسي، ووعد ابنه بأن يشتري له كاميرا، لو حقق درجات مشرفة في نهاية العام، والولد لم يكذب خبراً، ورفع رأس الأب عالياً. لذلك، حقّت الكاميرا على الأب الذي حاول الاستذكاء واستدراج الابن إلى الاقتناع بموديل سعره مريح، لكنه، بعد دقيقتين من بدء المناقشة، أدرك حتمية فشل مسعاه، فالولد الذي لم يتعد الثانية عشر من عمره كان قد استعان بالإنترنت، وأعد دراسة مقارنة بين الكاميرات المخصصة للمبتدئين، أخذ الأب يستمع إلى ابنه، ويهز رأسه متصنعاً الاهتمام بالتفاصيل، في حين كانت تجلس إلى جواره ابنته ذات الثامنة، منهمكةً في إنجاز مشروع مدرسي عن الآثار الرومانية في إيطاليا، وهي تستخدم (مُترجم غوغل) على اللاب توب، في الوقت الذي تشاهد فيه فيديو عن الكولسيوم على الموبايل، من أجل تسريع الإنجاز، والأب، في وسط ذلك كله، تذكّر نفسه، حين كان في سن أبنائه، وأمه تصرخ فيه، بصوتها الحاسم الحازم الذي لا يظهر إلا في الملمّات: "الآلة الحاسبة دي مش بتاعتك لوحدك، إحنا جايبينها ليك ولإخواتك، ومن حق البيت كله يستعملها".

تسويق 
ضحكتُ حين أخبرني الطبيب المتحمس بأسماء أشهر المرضى الذين اشترك في علاجهم ضمن فريق طبي في المستشفى الفاخر ذي السمعة المدوية، لأن خمسة من الأسماء التي ذكرها مات أصحابها في الأعوام الماضية على فراش المرض. وحين نبهته لذلك، ارتبك وقال، بحماس، إن الجهود الطبية التي بذلها، هو وزملاؤه، كانت سبباً في نجاة هؤلاء من أزمات صحية سبقت موتهم، قبل أن يتوقف مرتبكاً، ويضيف: "طبعاً بفضل ربنا، لكن، لو حكيت لك التفاصيل هتعرف إن مصر فيها دكاترة زي الفل"، قلت له مبتسماً "ولماذا تدخل من يستمع إليك في تفاصيل تجعله يقلق من مهارتك، إذا كان يكفي أن تقول له إن أهم مرضاك هو محمد حسنين هيكل".

بعلم الوصول 
"حتى الآن، لم أتأكد من وصول رسائلي وبرقياتي السابقة إليكم، لكنني سأستمر في إرسالها لإخلاء مسؤوليتي، أكرر: ليست لي أي علاقة بأي طرف من الأطراف المتصارعة في الدول العربية، فأنا على الحياد في ما يخص هذه البقعة من الكون، منذ عام 1991، ولم يعد ما تبقى لدي من صحة يسمح بأكثر من جهود الغواية والانحراف في البلاد المنطقية، فقد جعلتني الحياة في بلاد العرب أكره بشاعة الدم، برجاء العلم أن هذه الرسالة وسابقاتها ليست ضعفا، ولا مراجعة ذاتية، ولا يحزنون. ولكن، كل ما في الأمر أني لا أحب تحميلي جرائم لم أرتكبها".

أسباب خاصة للغثيان 
أخذتُ أنظر إليه، وهو يتقافز حولي فرحاً، فرثيتُ لحاله وحالي، كنت لا أزال أجلس على أرضية الحمام خائرة القوى، وعلى فمي بقايا ما أفرغته للتو من جوفي، وهو كان فرحاً، لأنه يظنني حاملاً في جنينه الذي طال انتظاره، وأنا كنت أسأل نفسي بكل ما خلقه الله من حزن: ماذا سيفعل لو عرف أن نوبة الغثيان التي داهمتني كانت لأنه عاد مجدداً ليُقبِّلني في فمي.

ثمن الحرية 
خنقته الرسميات التي عاش يراعيها طوال عمره، فقرر أن يجرب لحظة جنون، ويخلع حذاءه ويمشي حافياً، شعر بسعادة غامرة، لكنها لم تدم طويلا، لأن قطعة زجاج اخترقت باطن قدمه، فاختل توازنه ليسقط، ويرتطم رأسه بحاجز الرصيف، وبينما ينتظر وصول الإسعاف، وهو بين الإفاقة والإغماء، سمع أماً تقف بين المارة المتفرجين، وهي تقول لابنيها "شايفين يا ولاد.. آدي آخرة اللي يمشي حافي".

إظهار أرقام 
اتصلتُ بها، ردّت على الفور، ابتهجتُ. لكن، لم يدم ابتهاجي عندما وجدتها تقول بصوت مستطلع: مين معايا، وعندما نطقتُ بصوت متحشرج يغمره الحنين: ده أنا.. إزيك، فوجئت أنها غمغمت بارتباك، فأدركت حينها سر ردها السريع: هي، ببساطة، لم تغير سجل تليفونها بعد إدخال الأرقام الجديدة، هذا كل ما في الأمر. بعد لحظات من الصمت، قالت لي: أنا آسفة، أصل النِّمَر مابتظهرش عندي. قلت لها: ماشي، طيب أنا هاقفل حالاً، سجلي اسمي، وأنا هاتصل بيكي بعد دقيقتين، لازم تاخدي حقك كاملاً في أخذ قرار الرد من عدمه. شكرتني، وأنا قفلت السكة، وبالطبع، أنت أذكى من أن تنتظر نهاية مختلفة للقصة، أيوه، الله ينور عليك، عندما اتصلت ثانية، لم ترد.

العربي الجديد

0 التعليقات:

Post a Comment

 
الحصاد © 2013. All Rights Reserved. Powered by Blogger Template Created by Ezzeldin-Ahmed -