ليست الممارسات القمعية ولا انتهاكات الحقوق والحريات ولا صناعة الخوف من التعبير الحر عن الرأى ولا قوانين وسياسات تهجير المواطن من المجال العام هى الأدوات الوحيدة التى تعتمد عليها السلطوية فى إخضاع الشعوب وفرض هيمنتها على المجتمعات وعلى مؤسسات وأجهزة الدول الوطنية.

فالسلطوية تعمد أيضا إلى توظيف سيطرتها على وسائل الإعلام لإقناع المواطنات والمواطنين بضرورة تأييد الحاكم الفرد إن 1) تحت لافتات «الأخطار والمؤامرات التى تحيط بالوطن، ولا يقوى إلا هو على مواجهتها»، أو 2) بإطلاق «الوعود الكبرى» بتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والظروف المعيشية التى لن تتحقق إلا «برعاية» الحاكم الفرد، أو 3) باستدعاء استراتيجيات تخوين وتشويه وتسفيه المعارضين ونزع كل قيمة أخلاقية وإنسانية ووطنية عنهم وعن أفكارهم لكى ينصرف الناس عن البدائل الممكنة للسلطوية الحاكمة، أو 4) بالعمل المستمر على اختصار الدولة ومؤسساتها وأجهزتها فى الحاكم الفرد ثم شخصنة النقاش العام فى ثنائية إما «مع الحاكم أو ضده» وتفريغه من التناول الموضوعى للأفعال وللسياسات وللممارسات.

وعادة ما تنجح السلطوية فى «غسل الأدمغة» لبعض الوقت، وفى إقناع بعض الناس بضرورة تأييد الحاكم الفرد لبعض الوقت، وفى نشر كراهية المعارضين بين بعض القطاعات الشعبية لبعض الوقت. وحين تبدأ فاعلية مثل هذه الأدوات فى التراجع ــ والتراجع حتمى الحدوث حين يكتشف الناس محدودية الإنجاز الاقتصادى والاجتماعى وضعف قدرات الحاكم والقلة المحيطة به على صناعة التغيير الإيجابى فى ظل غياب الشفافية والرقابة والمساءلة والمحاسبة، تتحرك السلطوية إلى توظيف أدوات مغايرة.

فعندما يتراجع الاقتناع العام بضرورة تأييد الحاكم الفرد، تنزع السلطوية مجددا عبر توظيف سيطرتها على وسائل الإعلام إلى الترويج لمقولات متنوعة ذات جوهر سلبى تستهدف تجريد المواطنات والمواطنين من الطاقات الإيجابية اللازمة للمطالبة السلمية بتغيير أفعال وسياسات وممارسات الحاكم الفرد والقلة المحيطة به واللازمة أيضا للعمل السلمى على بناء بديل ديمقراطى حقيقى للسلطوية. ومن بين المقولات ذات الجوهر السلبى هذه، يحتل اليوم فى مصر الترويج 1) لمقايضات «الأمن والخبز قبل الحق والحرية» و2) ثنائيات «إما الحكم الراهن وإما الفوضى» و3) عموميات «البديل الوحيد هو انتقال كوارث العراق وسوريا وليبيا إلينا» مساحات واسعة فى الخطاب الرسمى.

ويحدث ترويج المقولات السلبية بين بعض القطاعات الشعبية مفاعليه المجردة من الطاقات الإيجابية لطلب التغيير السلمى فى الأفعال والسياسات والممارسات (وليس الأشخاص بالضرورة) مستغلا تغييب العقل والحقائق والمعلومات، بينما يرتب بين بعض القطاعات الشعبية الأخرى التى تدرك غياب العدل ولم تعد تقدر على تجاهل تواصل تدنى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والظروف المعيشية أو غض الطرف عن محدودية السياسات العامة التى تنتصر لحقوقها وضعية صمت وعزوف يتبعها عند كبار العمر استدعاء للخطاب التقليدى «الصبر مفتاح الفرج» وعند الأجيال العمرية الوسيطة بحث عن الحلول الفردية وعند الأجيال الشابة والصغيرة انجرار إلى خانات الإحباط واليأس.

ولن تنحصر فى مصر، هكذا تخبرنا التجارب العالمية المشابهة، مفاعيل ترويج السلطوية لمقولات سلبية تنزع عن الناس الطاقات الإيجابية إلا بنشوء حركات سلمية تنشد التغيير الديمقراطى وتبلور وإن على المدى الزمنى المتوسط والطويل بدائل علنية مقنعة وجذابة ــ بدائل للأفعال وللسياسات وللممارسات قبل الأشخاص ــ تخرج بالأجيال المختلفة بعيدا عن مواقع الانتظار والصبر ومحدودية الحلول الفردية وخانات الإحباط واليأس.

الشروق

0 التعليقات:

Post a Comment

 
الحصاد © 2013. All Rights Reserved. Powered by Blogger Template Created by Ezzeldin-Ahmed -