ماذا لو جاء جنرال آخر، بدعم من الجيش، بخطة قابلة للتطبيق، لإعادة الأمور إلى طبيعتها؟كم من الوقت سيبقى السيسي الرجل الذي يستحق الدعم؟"

جاء ذلك في سياق مقال مطول اليوم الثلاثاء للصحفي البريطاني ديفيد هيرست بموقع هافينجتون بوست الأمريكي تحت عنوان "هل يحتفظ السيسي بدعم كبار الجنرالات"

وإلى نص المقال


"اتبع المال"، بالرغم من أن مارك فيلت مساعد مكتب التحقيقات الفيدرالي السابق، الشهير بـ "صاحب الحنجرة العميقة" ومفجر فضيحة ووترجيت، لم ينطق أبدا بتلك العبارة لصحفي صحفي واشنطن بوست كارل وودورد، لكنها باتت أفضل ما كتب عن الفضيحة، بل أصبحت تيمة متكررة للفضائح السياسية منذ ذلك الحين.


إذا رغبت أن تسبر أغوار التوتر الغريب بين السعودية ومصر، بين المانح والمتوسل، فعليك أن تتبع المال.


يمكننا الآن إسقاط كلمة "مزعومة" بشأن محتويات ساعات من المحادثات الصوتية المسجلة سرا بين عبد الفتاح السيسي ودائرته الداخلية.


وأثبت خبراء أصوات بريطانيون صحة صوت السيسي خلال التسريبات، بعد أن توصلوا لذات النتيجة بشأن صوت مستشاره القانوني ممدوح شاهين.



ومن بين أشياء أخرى، كشف السيسي ومدير مكتبه عباس كامل المبلغ الحقيقي للمبالغ الخليجية التي صبت داخل خزائن الجيش المصري التي لا قعر لها.


ومنحت السعودية والإمارات والكويت مصر 39.5 مليار دولار في صورة نقود، وقروض، ومشتقات نفطية، بين يوليو 2013، تاريخ الانقلاب، وشهري يناير وفبراير 2014. كما دخلت المزيد من الأموال منذ ذلك الوقت، والتي ذهب البعض أن مجموعها يبلغ زهاء 50 مليار دولار.



إذا كنت قد ورثت للتو العرش السعودي، قد تتساءل ماذا حدث لكل هذا المال، لكن ذلك لم يحدث، بل أن السيسي استمر في الهجوم، مطالبا المملكة بالمزيد.


وفي اجتماع ضم قيادات عسكرية بارزة المستوى بقاعدة ألماظة الجوية، شرق القاهرة، قال السيسي إنه “ذكر السعوديين بمسؤولياتهم”.


كما كان ذلك هو السطر الأول الذي تلقى مذيعو السيسي "المستأنسين" تعليمات بالتطرق إليه.


وقالت المذيعة أماني الخياط إن السيسي قال لسلمان: “ ستدفع ثمن اختياراتك”.



الخلاف العلني بين دولة تابعة وممول يبدو كاشفا.


ومنذ أن تقلد سلمان مقاليد الأمور داخل المملكة، استقبلت مصر 6 مليارات دولار من ثلاث دول خليجية، لكني أعلم أنها ليست نقدا، بل على هيئة قروض ينبغي تسديدها بفائدة 2٫5 %، بما يتجاوز فائدة صندوق النقد الدولي.

ومنذ البداية، اتخذ السيسي قراره بعزل مرسي استنادا على الدعم المالي الذي يستطيع استخراجه من المملكة السعودية ودول الخليج.


وخلال الشهور السابقة ليونيو 2013 ، اتسم موقف السيسي بالتردد، ولم يحسم قراره إلا بعدما تلقى تعهدا حديديا من العاهل السعودي الراحل عبد الله، بإرسال 12 مليار دولار للانقلاب العسكري.

الانقلاب كان يتألف من أشياء عديدة، إحداها الموارد المالية التي في حالة انتهائها، سيضحى الرهان على السيسي في غاية الصعوبة. اتبع المال.



موقف سلمان تجاه السيسي يمكن أن يتضح في تلك الجلسة الطويلة للعاهل السعودي مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي وضع شروطا ثلاثة ليوافق على مصالحة عامة مع السيسي، الذي كان في المملكة السعودية في ذلك الوقت، أولاها إطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وإلغاء أحكام الإعدام، وسماح السيسي بحرية التجمع وحق التظاهر.


ولأن تلك الشروط من شأنها أن تقوض الدعائم الثلاثة للانقلاب العسكري، كان واضحا أن طلبات أردوغان لا يمكن تلبيتها.


ووفقا لرواية أردوغان العامة حول اللقاء، لم يحدث "التقاء عقول" حول مصر.


وقال سلمان إن مصر دائما ما يديرها ديكتاتور عسكري، وسأل الجانب التركي “إذا لم يحكم السيسي، فمن يكون البديل؟ السعودية تسعى فقط لنيل شيء واحد من مصر، لا يمت بصلة بالربيع العربي وميدان التحرير أو الديمقراطية- ألا وهو الاستقرار، فكيف يتحقق دون تقلد الجيش المسؤولية؟


كانت تلك حجة سلمان خلال اللقاء، لكنها لا تشي بدعم صلب كامل للسيسي كما تبدو. ثمة اختلاف بين القول إن الرياض تدعم الاستقرار في مصر، والقول إنها تدعم السيسي.


ماذا لو جاء جنرال آخر، بدعم من الجيش، بخطة قابلة للتطبيق، لإعادة الأمور إلى نصابها؟ كم من الوقت سيبقى السيسي الرجل الذي يستحق الدعم؟ ماذا لو غرقت مصر أكثر في عدم الاستقرار.



لا يبدو ذلك أقل من رد فرانكلين روزفلت على وزير خارجيته سمنر ويلز الذي وصف الديكتاتور النيكاراجوي الوحشي سوموزا بـ” النذل”، فأجابه روزفلت: “ نعم، لكنه نذل تابع لنا”.


ولا ينطبق ذلك على السيسي، لأن الديكتاتور المصري ليس رجل سلمان، بل أنه أحد أخطاء أخيه غير الشقيق عبد الله في السنوات الأخيرة لعهده.


لا ينبغي على سلمان، ولا يفعل كذلك بالفعل، أن يشعر بأنه مسؤول عن مصير السيسي، فقط ما يهمه هو استمرار مصر وفقا للمنطق السعودي.


مستقبل السيسي مرهون بقدرته على إثبات قدرته على جلب الاستقرار لمصر.

لكن كافة الأدلة تشير إلى عكس ذلك، فكما أشار الباحث السياسي المصري عماد شاهين في بحثه الأخير إلى أن حكم السيسي أصبح أكثر شخصنة، في غياب برلمان منتخب.



لقد أصدر السيسي 263 مرسوما منذ صعوده إلى السلطة. ولم ينجح في تشكيل قاعدة سياسية خلفه، كما لا يستطيع عزل وزير الدفاع الحالي، وفقا للدستور الذي أمن منصبه وقتما كان يشغل ذات الحقيبة الوزارية.


الآن، بعد أن خلع السيسي بزته العسكرية، بات الرئيس المدني محاصرا في شبكة صنعها بيده.


الوضع الأمني داخل مصر يتزايد سوءا، فبلغت أعمال العنف خلال الشهور الثلاثة الأولى فحسب من العام الجاري 1641، بمعدل حادث عنف كل 90 دقيقة.


وعبرت بعض الشخصيات البارزة في مؤسسة الجيش عن شعورها بالخطر جراء ذلك، وتحدثوا عن مشاعر عدم ارتياحهم إلى زملاء في مؤسسات مناظرة خارج الجيش.



وأشاروا إلى عدم سعادتهم من حدوث الانقلاب في الوهلة الأولى، لكنهم ساندوه بعد أن شعروا أنهم لا توجد خيارات أخرى، لكنهم باتوا يتساءلون الآن عن الطريق الذي يأخذهم السيسي إليه.


لقد أُُخْبرت أن أحدا من هؤلاء قال: “ لم تكن مصر أبدا بمثل هذا السوء"، وخلص الذين استمعوا لتلك الشخصيات إلى وجود تصدعات بدأت في الظهور داخل الجيش.



يستطيع المرء أن يتفهم وجهة نظر الجنرالات، فهم لا يعتقدون أن الجيش يستطيع التكيف مع المتطلبات الملقاة على كاهلهم، حيث أضحت مؤسسة الجيش الوكالة الأمنية الرئيسية، كما لا يرغبون في أن يتحمل الجيش مسؤولية الاضطرابات الاجتماعية.



ومن المحتمل أن يكون ذلك أحد دوافع تسجيل المحادثات محادثات السيسي، ونشرها بعد أسبوعين فقط من تقلد سلمان السلطة.



ولأن هاتف عباس كامل تم توفيره من قبل خدمات المخابرات، إذن فإن عملية تسجيل محادثات الدائرة الداخلية للسيسي نابعة من الداخل، عبر شخص ما أراد في المقام الأول أن يستمع سلمان إلى ما يقوله السيسي ويفكر فيه تجاه المانحين الداخليين الذين يعتمد عليهم.



ومن بين بواعث القلق، احتمالات انتقال التمرد في شبه جزيرة سيناء إلى البر الرئيسي لمصر الذي لجأ الجيش إلى تكتيكات وحشية لقمعه، عبر هدم الجانب المصري من رفح، وفرض حظر تجوال، وإطلاق النار على القرى، وتدمير نحو 10000 منزل.



ولا تمتلك سيناء إلا تعدادا سكانيا متناثرا يبلغ نحو نصف مليون، فما بالك لو بدأ ذات الشيء في صعيد مصر البالغ تعداده 30 مليون نسمة، لا سيما وأنه مجتمع محافظ دينيا، صوت بأغلبية كاسحة للأخوان، وبات مهمشا اقتصاديا، كما أعلن أبو سفيان المصري أحد أعضاء "ولاية سيناء" اعتزام التنظيم تدشين فروع له في أسيوط والفيوم بصعيد مصر المعروف باحتضانه حركة التمرد المناهضة للدولة في تسعينيات القرن المنصرم.


وقال أحد مؤيدي "داعش" في الصعيد: “ العنف لا يمكن أن يواجه إلا بالعنف".


لكن الجنرال محمود محفوظ، الخبير العسكري المصري رفض ذلك الإعلان، وقلل من أهميته، معتبرا إياه بلا قيمة، ومجرد استعراض إعلامي، ومضى يقول: “ نحن نختلف عن سوريا وليبيا والعراق، جيشا ما زال لاعبا مؤثرا، ولا تمتلك مؤسسة غير حكومية السيطرة على مساحات محددة كما هو الحال في سوريا".



واستدرك محفوظ : “ لسوء الحظ، فإن حدود مصر الشرقية والغربية والجنوبية ترتبط بدول تدعم المد السلفي السياسي، أو تضم مساحات كبيرة يهيمن عليها ذلك المد، وتستغل الجماعات الفجوات الحدودية للدفع بعملائها داخل مصر".


القوى الغربية المدعمة للسيسي، والاتحاد الأوروبي قد لا تحتمل تطور الأزمة في مصر، وتحاول التدخل إذا انفجرت الأمور.



لقد انتظر الغرب في ليبيا وسوريا واليمن، حتى تفاقمت الأمور.



إذا مرت مصر بذات الطرق، لن يكون الانفجار على المستوى المعتاد، لكنه سيكون من النوع النووي، ولن يضحى أمام المصريين إلا الهروب في اتجاه واحد، ألا وهو مراكب الهجرة إلى أوروبا.

إلى أي مدى تستطيع أوروبا أن تتحمل رفاهية الاكتفاء برؤية عدم الاستقرار في مصر؟



0 التعليقات:

Post a Comment

 
الحصاد © 2013. All Rights Reserved. Powered by Blogger Template Created by Ezzeldin-Ahmed -