لا يدرك حكام النظم الديكتاتورية والسلطوية أن الديمقراطية التى لا يريدونها ويرفضون آلياتها وإجراءاتها تمكن نظرائهم من حكام البلدان التى استقرت بها سيادة القانون وتوطن فيها تداول السلطة عبر الاختيار الحر للمواطنات والمواطنين من «الممارسة الآمنة» لمهام منصبهم، كما توفر لهم «الخروج الآمن» بعيدا عنه إن حين يتعين عليهم الرحيل الاعتيادى (لحضور حدود دستورية وقانونية قصوى لفترات الحكم الممكنة، كالمدتين الرئاسيتين فى الولايات المتحدة الأمريكية وفى الكثير من الجمهوريات الرئاسية الملتزمة بالديمقراطية) أو حال الخسارة فى صناديق الانتخابات (البرلمانية أو الرئاسية) أو فى لحظات الاستثناء/الأزمة/ التعثر/ الطلب الشعبى على التغيير. بل إن الآليات والإجراءات الديمقراطية تضمن للحكام بعد «الخروج» حماية حقوقهم وحرياتهم الأساسية، ولها أن تخفف من وطأة العقاب الذى قد ينزل بهم عندما يتم تعقبهم قضائيا وتثبت عليهم الأخطاء ويعزلون بسبب الإخلال بمسئولياتهم وواجباتهم المنصوص عليها دستوريا وقانونيا أو بسبب التورط فى العصف بسيادة القانون أو بسبب الفساد وسوء استغلال المنصب.

بعبارة بديلة، ليست الديمقراطية وحسب أكثر أمنا وإنسانية لجهة المواطن الذى تصون حقوقه وحرياته، وتمكنه من التعبير الحر عن الرأى ومن ممارسة الاختيار الحر، وتكفل له المشاركة فى إدارة الشأن العام عبر الآليات والإجراءات الانتخابية وعبر إتاحة وتداول الحقائق والمعلومات. فالديمقراطية أيضا هى النظام الأكثر أمنا وإنسانية فيما خص التعامل مع الحكام، والأعظم قدرة على حماية حقوقهم وحرياتهم بعد «الخروج» من المنصب وعلى إدارة تحديات لحظات الاستثناء/ الأزمة/التعثر/الطلب الشعبى على التغيير دون دفع «الحكام السابقين» إلى مآلات مأساوية.

•••

خطأ فادح أن يظن الحكام فى النظم الديكتاتورية والسلطوية أن سيطرتهم الأحادية على مؤسسات وأجهزة الدولة، وصناعة تحالفات «الاستتباع فى مقابل الحماية والعوائد» مع النخب الاقتصادية والمالية والثقافية والحفاظ عليها، وأدوات توظيف الظلم والقمع والتعقب ﻹخضاع الناس وفرض الخوف عليهم ومن ثم تهجيرهم من المجال العام أو إنزال العقاب بهم حال عدم الامتثال ستضمن لهم «البقاء الآمن» فى مناصبهم أو ستحميهم بعد «الخروج» بعيدا عنه أو ستحمى ذويهم ومحاسيبهم والشبكات ومراكز القوة المرتبطة بتحالفاتهم داخل المؤسسات والأجهزة ومع النخب.

فمن جهة أولى، يدلل التاريخ المعلوم للبشرية على أن العدد الأكبر من المآلات المأساوية للحكام ــ الاغتيال، الإعدام، السحل، الانتحار، العقوبات السالبة للحرية، الإقامة الجبرية، النفى إلى الخارج، الهروب، وغيرها – يرتبط: 1) بصراعات «الإلغاء والتصفية» التى دوما ما تدور رحاها داخل أروقة الحكم وبين مراكز القوة والنخب فى النظم الديكتاتورية والسلطوية، 2) ويحدث أحيانا بفعل الهزائم العسكرية والتداعيات المدمرة للتورط فى متواليات الحروب والعنف والغزو والغزو العكسى، 3) ويتصل أيضا بالهبات والانتفاضات والثورات الشعبية على الاستبداد والقمع والفساد والمطالبة بالتغيير والتى تواجه حين التمكن من إزاحة الحكام خطر الانزلاق إلى غياهب الانتقام والعقاب الجماعى والابتعاد عن عدالة المساءلة والمحاسبة المنضبطة بالقانون لـ«الحكام السابقين» وقد تتورط به.

ومن جهة ثانية، تشهد وقائع الربع الأخير فى القرن العشرين وتحولات بدايات الألفية الجديدة على أن عمر النظم الديكتاتورية والسلطوية يتجه إلى الانخفاض، وعلى أن التوقعات الذاهبة باتجاه بقائها لفترات زمنية طويلة تفتقد المصداقية. فبينما بقت ديكتاتورية القياصرة فى روسيا لمئات السنين، لم تصمد ديكتاتورية الاتحاد السوفييتى سوى لسبعة عقود ونيف، وأغلب الظن أن محاولة الرئيس الروسى فلاديمير بوتين بناء سلطوية جديدة اليوم لن يكتب لها العمر الطويل. أما فى بلدان أوروبا الوسطى والشرقية وفى بلدان أمريكا اللاتينية والبلدان الآسيوية التى تتعثر بها التحولات الديمقراطية وتزج بها إلى تقلبات منتظمة بين تطبيق لبعض الآليات والإجراءات الديمقراطية وبين الانقلاب عليها، فإن مساعى توظيف ذاك التعثر وتلك التقلبات لبناء منظومات حكم/سلطة غير ديمقراطية تعجز عن توفير مقومات البقاء الزمنى طويل المدى ولا ترتب من نتائج سوى إدخال دولها ومجتمعاتها ومواطنيها فى أتون أزمات ممتدة ومفتوحة ــ والنماذج الأوضح هنا هى أوكرانيا والمجر ورومانيا فى أوروبا، وفنزويلا، وبيرو فى أمريكا اللاتينية، وباكستان وكمبوديا فى آسيا.

غادرت بشريتنا قرون «حكم الحديد والنار» الممتد دون رجعة، وودعت عقود الديكتاتور والحزب الواحد الأبدى والحاكم الفرد مدى الحياة والملكيات المطلقة دون ندم، والاستثناءات المؤثرة الحاضرة فى الصين وفى دول «الربيع العربى» وفى كوريا الشمالية تنتج بقاءها إما مقومات يستحيل اجتماعها معا فى بلد آخر غير الصين أو ثروات طبيعية ترتب تراكماً مذهلاً فى الثروة تتصدره المملكة العربية السعودية وبعض بلدان مجلس التعاون الخليجى الأخرى أو ترتبها كما فى كوريا الشمالية وضعية من البدائية والعنف ومن الانعزال عن العالم المعاصر انقضى أوان استنساخها بعيدا عن بيونج يانج، ويجدر بالراغبين اليوم فى التأسيس لنظم ديكتاتورية وسلطوية جديدة الوعى بمجموعة الحقائق هذه وإدراك أن محاولاتهم لا سبيل لا لاستقرارها ولا لامتدادها الزمنى مهما تحملت الدول والمجتمعات والشعوب من تضحيات وأكلاف مصدرها الدائم يتمثل فى متواليات الاستبداد والقمع والعنف والفساد وسوء الأداء العام وانهيار القطاع الخاص وتدنى مبادرات الناس الفردية ــ وجميع متواليات السلب هذه ذات صلة عضوية بغياب الديمقراطية وقيمها ومبادئها.

•••

ومن جهة ثالثة وفى المقابل، تمكن النظم التى استقرت طبيعتها الديمقراطية وتماسكت آلياتها وإجراءاتها وكذلك النظم التى تدار دون كثير تعثرات أو تقلبات تحولاتها من الديكتاتورية والسلطوية باتجاه سيادة القانون وتداول السلطة وصون الحقوق والحريات والمشاركة الشعبية الحكام «المنتخبين» من الممارسة الآمنة لمهام منصبهم ومن الخروج الآمن بعد انتهاء خدمتهم.

يخبرنا تاريخ البشرية المعلوم وتنبئنا الوقائع المعاصرة، ومع حضور استثناءات، وعلى الرغم من تمترس حكام النظم الديكتاتورية والسلطوية فى خانات الرفض والمنازعة، أن الديمقراطيات تهيئ لحكامها فرصا فعلية للإنجاز الاقتصادى والاجتماعى والسياسى وللإصلاح المؤسسى، بل وتضمن لهم وجود مصدات متنوعة عند الأزمات كما تحول بينهم وبين تحمل مسئولية الإخفاق بمفردهم لكونها تفعل مبادئ الشفافية والرقابة والمساءلة والمحاسبة بشأن جميع مستويات المؤسسات والأجهزة العامة ــ والإشارة للفرص هنا تعنى الاحتمالية، وليس صك النجاح المسبق أو ضمانات الإنجاز القادم بلا ريب، هى احتمالية يجيد بعض حكام الديمقراطيات استغلالها ويفسدها آخرون.

كذلك يخبرنا تاريخ البشرية المعلوم وتنبئنا الوقائع المعاصرة أن أغلبية حكام الديمقراطيات تظل فى «مأمن» من المآلات المأساوية التى تتكرر بانتظام فى النظم الديكتاتورية والسلطوية. فالمواطن فى الديمقراطيات يعاقب الرئيس الفاشل أو رئيس الوزراء الفاشل بالإسقاط فى الانتخابات التالية ثم يدعه يذهب إلى حال سبيله، أو قد يقسو عليه حال تراكم الفشل والإخفاقات بحراك شعبى معارض أثناء فترة حكمه ذات المشروعية الانتخابية يطالب بانتخابات مبكرة ثم يرسله بعيدا عن الحياة السياسية ويأتى إلى سدة الحكم بمنافس له.

وحين يتضح قبل أو بعد «الخروج» تورط الرئيس السابق أو رئيس الوزراء الذى خسر الانتخابات فى إخلال بمسئوليات وواجبات منصبه أو فى عصف بسيادة القانون أو فى فساد وسوء استغلال المنصب العام، فإن الرأى العام سيطالب بالمساءلة والمحاسبة القانونية المنضبطة والناجزة وبإخبار مجتمع المواطنات والمواطنين بنتائج «المحاسبة» بشفافية ثم يدع أيضا «السابقين» لحياتهم الخاصة دون انتقام أو تشفى أو تشويه ــ فى فرنسا، يحاسب قضائيا الرئيس الأسبق شيراك والرئيس السابق ساركوزى فى سياق اتهامات بالفساد. وعندما يثبت على الرئيس أو رئيس الوزراء الإخلال بمقتضيات المنصب والمهام والدور أثناء فترة حكمه، فمصيره قد يكون العزل القانونى ــ كما حدث لريتشارد نيكسون الرئيس الأمريكى الأسبق فى 1974، وكما تهدد ذات المصير بيل كلينتون فى تسعينيات القرن العشرين، وقد يتعرض لمساءلة ومحاسبة قضائية تنتهى بأن توقع عليه عقوبة سالبة للحرية ــ كما حدث لنيكسون أيضا، وقد يعفو خلفه عنه فى سياق لحظة تسامح شعبى عام بعد أن أبعد الرئيس الفاسد أو رئيس الوزراء الفاسد عن منصبه ويحول بينه وبين تنفيذ العقوبة السالبة للحرية ــ مجددا مصير نيكسون الذى قرر خلفه جيرالد فورد العفو عنه، وغير ذلك من الأمثلة والحالات الكثير فى عمق التاريخ وعلى امتداد خريطة العالم.

إلى حكام النظم الديكتاتورية والسلطوية، ثقوا أن الديمقراطية هى النظام الأفضل، لكم أيضا ولمآلاتكم الشخصية.

الشروق

0 التعليقات:

Post a comment

 
الحصاد © 2013. All Rights Reserved. Powered by Blogger Template Created by Ezzeldin-Ahmed -