دعا أصحابه لحضور اجتماع طارئ بمسجد "وصيف" بقرية زفتى بمحافظة الغربية، ليقص عليهم نبأ مهما، وحينما حضر الأصدقاء طرح عليهم ما يدور بذهنه من تشكيل "وفد " للدفاع عن استقلال مصر، فلاقت الفكرة قبولا واسعا، وتشكل الوفد عام 1918 من عبدالعزيز فهمى، وعلى شعراوى، وأحمد لطفى السيد، وآخرين، برئاسة صاحب الفكرة الزعيم سعد زغلول.

من هنا كانت بداية "بيت الأمة " حزب الوفد المصرى، الذى يشهد حاليا صراعات داخلية، ربما أحدثت هزة فى الأحزاب السياسية جميعها، لدرجة أنها استدعت تدخل الرئيس عبدالفتاح السيسى من أجل إيجاد حل لها.

من مطالبة بالاستقلال إلى حزب


منذ ما يقرب من مائة عام نشأ الحزب إبان إرهاصات ثورة 1919، بعد تحول "الوفد المصرى" الذى ذهب للتفاوض مع الإنجليز للمطالبة باستقلال مصر، إلى "حزب الوفد"، ليصبح ثانى حزب في تاريخ الحياة الحزبية المصرية بعد الحزب الوطنى، وظفر بالأغلبية قبل ثورة 23 يوليو، وكان له نصيب من المناصب الوزراية فى كثير من الحكومات المتعاقبة، وحفل تاريخ الوفد بالعديد من المواقف والأحداث.

سنوات طوال حمل فيها الحزب على عاتقه القضايا الوطنية، فكثيرًا ما جاهد سعد زغلول، من أجل إجلاء المستعمر البريطانى، حتى اعترفت بريطانيا بمصر دولة مستقلة ذات سيادة وأنهت حمايتها عليها وألغت الأحكام العرفية، وبعد رحيل زغلول فى أغسطس عام 1927، خلفه فى زعامة الحزب مصطفى النحاس، وسار على درب نضال سابقه، وتولى رئاسة مجلس الأمة ورئاسة الوزراء، ووقع اتفاقية 1936، التى أنهت احتلال مصر عسكريا، وألغت الامتيازات الأجنبية.

مهد ثورة يوليو
وفي أكتوبر 1951 أعلن النحاس إلغاء معاهدة 1936، وأطلق الحرية للشعب للنضال المسلح ضد القوات البريطانية فى القناة، وحذا حذو النحاس فؤاد سراج الدين، أبرز قيادات الحزب الذى تولى رئاسته بعد عودة الحزب من جديد عام 1978، وتقلد العديد من المناصب الوزارية، وأثناء توليه حقيبة وزارة الداخلية فى حكومة النحاس أصدر تعليمات لجهاز الشرطة فى الإسماعيلية بالتصدى لقوات الاحتلال البريطانى، وأمد الفدائيين بالسلاح لمهاجمة المعسكرات البريطانية.

وحين اكتشف الإنجليز الأمر حاصروا مبنى الإسماعيلية لنزع سلاح الفدائيين، ولكنهم رفضوا بأوامر من سراج الدين، فوقعت اشتباكات عنيفة راح ضحيتها كثيرون من شهداء الشرطة في 25 يناير 1952، الذى أصبح عيدا للشرطة من كل عام، الذى مهد لقيام ثورة 1952.


الثورة تحاكم زعماءه

وتوقف عمل الحزب عام 1953 حين ألغت ثورة 23 يوليو الأحزاب السياسية المصرية بما فيها الوفد، الذى قدم زعماءه لمحكمة الثورة بتهمة الفساد السياسى، وعلى رأسهم مصطفى النحاس، وفؤاد سراج الدين، ولم يعد الحزب إلى نشاطه السياسى إلا فى عهد الرئيس أنور السادات، واتخذ لنفسه اسم "الوفد الجديد" سنة 1978، فكان أول من بادر لاعتماده والسماح له بممارسة العمل الحزبى، عقب اتجاه السادات بعودة التعددية الحزبية.

السادات يهاجم الوفد

وعلى الرغم من السماح بعودة الحزب، فإن السادات لم يكن يرغب فى عودة الوفد تحديدا، فشنت أجهزة الدولة حينها حملة ضد الحزب، اتهمته فيها بأنه من العهد البائد والفاسد قبل ثورة 23 يوليو، ورغم حصول الحزب على موافقة لجنة الأحزاب السياسية، فإن الحملة الحكومية ضده واصلت ضرب التجربة الحزبية الجديدة، وعلى أثرها أعلن قادة الحزب تجميد نشاطه طواعية، بعدما أدرك سراج الدين الذى أطلق عليه السادات حينها لقب "لويس التاسع"، أن الآخر لا يرغب فى عودة الوفد لحلبة السياسة مجددا.

وفى عام ١٩٨٣ استأنف الحزب نشاطه مجددا، ولكن رفعت هيئة قضايا الدولة دعوى قضائية بعدم جواز عودة الوفد للعمل السياسى، رغم إفراج مبارك عن سراج الدين، الذى اعتقل نهاية عصر السادات، ورُفضت الدعوى، لأن الوفد لم يحل نفسه ولكنه أعلن تجميد نشاطه، لذا أقرت المحكمة بشرعية استئناف الوفد، وعاد من جديد عام 1984 وخاض الانتخابات البرلمانية.

الحزب بين يناير ويونيو

واستمر سراج الدين في رئاسة الحزب حتى عام 2000، ثم تولى من بعده الدكتور نعمان جمعة، وخلفه محمود أباظة، ثم السيد البدوى، منذ عام 2010 وحتى وقتنا الحالى، وكان للحزب مواقف عديدة فى 25 يناير و30 يونيو، وعقد أول اجتماعات له مع كل الأحزاب المصرية والقوى الوطنية عقب ثورة يناير، وأسس التحالف الديمقراطى مع جماعة الإخوان، ثم خرج منه ليخوض الانتخابات البرلمانية منفردا.

وبعد فوز الرئيس محمد مرسى، مرشح جماعة الإخوان، بمنصب الرئاسة أعلن الوفد احترامه لشرعية الصندوق الانتخابى، ولكن سرعان ما اتخذ الوفد اتجاها معارضا لمرسى، فور إصداره الإعلان الدستورى، وفتح الوفد أبوابه لكل القوى الوطنية والسياسية والحركات الثورية ليعبروا عن آرائهم ورفضهم لهذا الإعلان.

وخرجت أكبر المسيرات الرافضة للإعلان الدستورى من حزب الوفد بقيادة السيد البدوى، رئيسه الحالى، وشارك فى ثورة 30 يونيو، وأعلن تأييده لخارطة الطريق، ودعم الرئيس عبد الفتاح السيسى فى الانتخابات الرئاسية.

السيسى يحاول التهدئة

ومؤخرا يمر الحزب بأزمة طاحنة بين مؤيدى رئيس الحزب الدكتور السيد البدوى ومعارضيه، وامتدت لاشتباكات وتراشق بالألفاظ واتهامات، وصلت لحد تقديم بلاغ للنيابة يتهم البدوى بإهدار المال العام للحزب والجريدة، ما دفع الرئيس عبدالفتاح السيسى، للاجتماع بقيادته أمس الأول الأربعاء، فى محاولة لامتصاص الخلاف والانقسامات بينهم، وحثهم على التوحد وإعلاء مصلحة الوطن، ووعدوا الرئيس بلم الشمل، وسرعان ما تجددت الأزمة مرة أخرى بعد تصريحات واتهامات متبادلة بين طرفى الأزمة، ما ينذر بانفجار الحزب فى الوقت الذى تجرى فيه انتخابات الهيئة العليا، اليوم الجمعة.

الأزمة التى يشهدها الحزب حاليا لم تكن الأولى، ففي عام 2006 درات معركة داخل أروقة الحزب تلوثت بالدماء ضد نعمان جمعة، بحجة "الديكتاتورية والإصلاح"، ففى إبريل 2006 تجمع الراحل نعمان جمعة، رئيس الحزب المقال وقتها، هو وحوالى 100 من أنصاره في مقر الحزب وأغلقوا أبوابه ومنعوا الأعضاء والموظفين والصحفيين العاملين بالجريدة من الدخول لمقر عملهم، ليقابلهم على الفور تجمع عشرات من مؤيدى محمود أباظة رئيس الحزب الجديد وقتها، وتحول الأمر لحرب شوارع بين الطرفين، واستخدم أنصار جمعة السلاح وأصيب 14 صحفيا بطلقات نارية، وآخرون جراء الاشتباكات وفقا لتحقيقات النيابة.



مصر العربية

0 التعليقات:

Post a Comment

 
الحصاد © 2013. All Rights Reserved. Powered by Blogger Template Created by Ezzeldin-Ahmed -