الشعوبية المؤسسية حالة سياسية أشبه بحالات الاستقلال الذاتي، تسعى فيها كل مؤسسة للدفاع عن وضع متميز استقلالي خاص، على قاعدة من العنصرية والعصبية التي تحافظ على المصالح والمكاسب في حقها، بعيداً عن مؤسسات الدولة الأخرى، فينتهي الحال بالدولة إلى مجموعة من المؤسسات المستقلة التي تعيش في جزر منعزلة، تتصارع على مقدرات الشعب، وعلى الحصول على جملة مصالحها الآنية والأنانية الضيقة. ولعلنا نلاحظ هذه الحالة الشعوبية في مؤسسة القضاء والمؤسسة العسكرية، وكذا المؤسسة الأمنية. وعلى الرغم من ادعاء المنظومة الانقلابية في مصر، ممثلة في رئيسها المنقلب الذي يؤكد أن ليس لديه ما يعطيه "مفيش، معنديش، مش قادر أديك (أعطيك)"، وكأنه لا يرى في الدولة إلا تلك المؤسسات، وما دونها ليس له من قيمة. وقد كان المنقلب يؤكد على هذا المعنى بلا مواربة، وكأن شعاره فلتأخذ هذه المؤسسات كل ما تريد، وليذهب الباقي إلى الجحيم، وبالنظر الدقيق إلى تلك المؤسسات، بالإضافة إلى مؤسسات الإفك الإعلامي، فإنها تشكل صناعة الاستبداد لأصحاب السلطان، وتقوية جانبهم وتبرير أفعالهم وسياساتهم الطغيانية.
مرفق العدالة بكل مؤسساته يشكل أهم نماذج تلك الحالة الشعوبية، باستناده إلى حالة عنصرية، على الرغم من أنه أهم مؤسسة فى إرساء قيم الحق والمساواة والعدل والإنصاف، فإذا بالأمر ينصرف، في عمومه، لا إلى تحقيق هذه القيم التي ترتبط بمؤسسة القضاء، وظائفَ وأدواراً، بل غالباً ما تنصرف إلى الحصول على المكاسب وتأمينها وتحصينها. ومن أجل ذلك، تُخاض المعارك بليّ الذراع والتهديد المباشر وغير المباشر، وبعد كل تهديد أو احتجاج، تُنال المكاسب ويتحقق المراد. مشاهد كثيرة في مصر تدل على هذه السياسة التي تعبر عن شعوبية مؤسسة، يجب أن تتصف بالحيدة والمسؤولية، لأنها تقضي بين عموم الناس وترد الحقوق وتنصف المظلوم، مؤسسة تبحث عن مكاسبها المادية، ربما لا تهتم بأصل وظائفها وجوهر أدوارها.
المشهد الأول من دستور 2014 الذي أعدته لجنة معينة من سلطات الانقلاب العسكري، حيث نشبت معركة بين القضاة ولجنة الخمسين حول الوضع المالي للسلطة القضائية في الدستور الجديد. تمسّك القضاة بضرورة النص على إدراج موازنة القضاء رقماً واحداً في الدستور، أسوة بالقوات المسلحة. وبالفعل، تم إقرار هذا الوضع في باب السلطة القضائية، وهذا الوضع غريب للغاية، وربما لم يحدث في تاريخ مصر المعاصر، ويعزز فكرة الاستقلال المؤسسي، أو ما نسميه الشعوبية المؤسسية. ويفتح الباب واسعاً أمام ظاهرة الفساد، فلا يخفى على أحد ماذا تعني فكرة الرقم الواحد في الموازنة العامة للدولة. الأغرب أن ما يراه كثيرون باباً للفساد، يراه القضاة ضمانة للاستقلال، وهذا ما عبر عنه ممثل السلطة القضائية في لجنة الخمسين، إذ رأى أن إدراج الموازنة مفصلة، سيسمح للسلطة التنفيذية باختراق القضاء، بشكل أو بآخر،


وستكون وسيلة للتدخل في شؤون القضاء بالترغيب أو الترهيب أو المنح والمنع. وهو منطق غريب، لا ينطلي على عقل أي مواطن بسيط، فما بالك بالقضاة. في كل مرة، ستمارس مؤسسات القوة ضغوطها، وربما طغيانها، لتحقيق مكاسبها، حتى لو خرجت على قواعد العدل والإنصاف، وحتى لو أدت إلى مزيد من الجور والإجحاف.
المشهد الثاني من مجلس الدولة، حيث أصدر قسم الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع فتوى بعدم خضوع قضاة مجلس الدولة، أو أعضاء أي جهة أو هيئة قضائية أخرى، لأحكام قانون الكسب غير المشروع. وجاء في حيثيات الفتوى أن قانون الكسب غير المشروع، بحسب مادته الأولى، يطبق على القائمين بأعباء السلطة العامة، والعاملين في الجهاز الإداري للدولة، ورئيس مجلس الشعب وأعضائه، ورؤساء المجالس الشعبية المحلية وأعضائها، ورؤساء الهيئات العامة وأعضائها، وفئات أخرى عدة، ليس من بينها، بنص صريح واضح، أعضاء الجهات والهيئات القضائية بصفة عامة، أو مجلس الدولة بصفة خاصة. العجيب، أيضاً، أن هذه الفتوى لاقت ترحيباً كبيراً من القضاة، إذ اعتبروها تؤكد استقلالهم، فالاستقلال صار قريناً بعدم المحاسبة أو الرقابة من أي جهة، كما صار قريناً بموازنة الرقم الواحد. لا ننسى، في هذا المقام، أن نذكر أن رئيس هئية قضائية كبيرة متورط فى قضايا فساد متعلقة بالاستيلاء على أراضٍ بملايين الجنيهات، كما لا ننسى أن وزير العدل السابق متهم بالتربح والفساد، وفقاً لما صرح به رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات.
المشهد الثالث من المحكمة الدستورية العليا، حيث يطالب قضاة مجلس الدولة ومحاكم الاستئناف بمساواة رواتبهم برواتب قضاة المحكمة الدستورية العليا، وهو ما تؤيده محكمة النقض بحكم قضائي، يؤيد فكرة المساواة بين رواتب القضاة عموماً، ويطالب المحكمة الدستورية بالكشف عن رواتب قضاتها، فتصدر الأخيرة حكماً بعدم الاعتداد بالحكم الصادر من محكمة النقض، باعتبار ذلك أمراً يتعلق بموازنة المحكمة الدستورية التي لا يجوز لأحد أن يناقشها، سوى أعضاء المحكمة أنفسهم، من دون غيرها من الجهات القضائية، ومن ثم لا يجوز تناول الوضع المالي، أو كشفه، إلا بموافقة الجمعية العامة للمحكمة، أو بحكم صادر من جهة ذات ولاية قضائية (وحكم محكمة النقض لا يعتد به من وجهة نظر الدستورية). هذا هو تأثير ميزانية الرقم الواحد التي رسخها القضاة في الدستور، فإذا بها تستخدم ضدهم في أول تطبيق، فتتحداهم المحكمة الدستورية بالمنطق نفسه الذي رسخوه في الدستور، منطق الاستقلالية وعدم الاعتداد بحكم محكمة النقض، وكأن القوانين تشرع فقط لتطبق على عموم الناس، أما هم فإنهم خارج دائرة الالتزام والتطبيق. هنا، يفقد القانون معناه، وتهدر في الأحكام حجيتها وفاعليتها.
ثلاثة مشاهد نموذجية تؤكد حالة الشعوبية المؤسسية التي تسعى إليها السلطة القضائية، موازنة الرقم الواحد في الدستور، وفتوى بنزع ولاية جهاز الكسب غير المشروع على القضاة، ومؤسسة قضائية عليا ترفض الكشف عن رواتبها أمام زملائها، كما ترفض مساواتها بزملائها من المهنة نفسها الذين ربما يبذلون جهداً أكبر منها. فإذا ترافقت مع ذلك كله مسالك التوريث، بغض النظر عن الكفاءة والجدارة والاستحقاق، فإن الشعوبية المؤسسية، بل والعصبية المؤسسية، تصل إلى ذروتها، فإذا أطلت الشعوبية والعنصرية برأسها في قلب مؤسسات العدل والإنصاف، فإنها تسير حتماً إلى مسيرة الجور والإجحاف والانحراف، وطريق الظلم مؤذن بخراب العمران


العربى الجديد

0 التعليقات:

Post a comment

 
الحصاد © 2013. All Rights Reserved. Powered by Blogger Template Created by Ezzeldin-Ahmed -