تبدو السياسات التي تتعلق بالأمر المباشر عنواناً للفساد في مصر، منذ اكتشف هؤلاء طريقة للاستثناء، يخرجون بها عن القواعد المرعية والإجراءات الأساسية والمعايير المعتبرة في التعامل مع موارد الدولة والعمليات التي تتعلق بالبيع والشراء والتخصيص والانتفاع، وحينما ابتدع هؤلاء فساداً بالأمر المباشر، فقد صاحبوه بأمور تقديرية وسلطات لا محدودة ومطلقة وتنفيذية، وهذا عين الدخول إلى مسالك الفساد من أقرب طريق، وذلك كله ضمن بيئة تختفي فيها المعلومات الحقيقية، وتمارس في السر تأثيرات العلاقات المخفية والمستترة، من دون أي شفافية، وتظل هذه التصرفات محصنة ومحمية، بعيدة عن طرائق المساءلة وأساليب المحاسبة، الأمر هنا يتعامل مع تلك الموارد وكأنها "العزبة" أو "الوسية".
نقول ذلك بمناسبة صدور قوانين الاستثمار في ليلة انعقاد المؤتمر الاقتصادي، والتي جعلت من بيئة الأمر المباشر، وأشياء أخرى، تتعلق بالتحصين، وقوانين شكلت حزمة فسادية وإفسادية في هذا المقام، لتعبر عن أن الأمر المباشر لم يعد يخص المناقصات أو المزايدات، لكنه يرتبط بسلطان الاستبداد، حينما يتحرك بغير حساب، ويسير في مسالك تغوله، من غير أدنى عقاب، ويمارس ذلك كله في إطار تحالفات تشكل بنية دولة الفساد العميقة والقميئة، وتتحرك الأمور ضمن عمليات رشوة كبرى تسمى "العمولات"، وعمليات محسوبية خطيرة تقوم على توزيع المغانم، وفق قواعد الرضا السامي من صاحب السلطان الطاغي والتسلط الباغي من الحاكم بأمره، والأمر المباشر.
باتت سياسة الأمر المباشر ديدناً لهذا الانقلاب الذي يسعي إلى ضمانها، من خلال بنية تشريعية، يستغل فيها المنقلب الرئيس اضطلاعه بالتشريع، في ظل عدم وجود البرلمان الذي يبدو أن هناك مصلحة قوية في عدم قيامه حتى الآن، باعتراف أحد شركائه من التيار المسمى المدني، فهو لم يتوان عن إصدار مئات التشريعات التي يؤسس، من خلالها، لاستبداده ودولته البوليسية. أكثر من ذلك، إنه يؤسس لعمليات فساد كبرى خارج إطار القانون، أو بغطاء من القانون، أو بتحصين من القانون، وتبدو الطريقة الأبليسية في الصياغات القانونية عند ترزية القوانين التشريعية، مع عدم وجود برلمان يمارس عملية التشريع على نحو جماعي، وبسلطان يقوم على المراقبة المتبادلة، في سياق تعدد القوى داخل البرلمان، فإذا بالأمر يكون مع غياب البرلمان نهباً لرئيس مستبد، في ظل فراغ برلماني وتشريعي، إلا أن هؤلاء من المستبدين والفسدة وجدوها فرصة سانحة لاستغلالها في تقنين الفساد، عبر أدوات فساد التقنين، وبدت تلك التشريعات كأنها تترجم "أحلام سعادتك أوامر"، و"طلباتك اليوم تنفذ أول امبارح"، ومشيئة ومزاج المستبد، وفق هذه العقلية المستندة إلى نفاق ترزية القوانين ومتطلبات الفاسدين، فتصدر التشريعات كالماء والهواء، حتى صرنا أمام "إسهال تشريعي" واستخفاف قانونى.

يؤكد متخصصون عديدون أن حزمة القوانين التي أصدرها المنقلب الرئيس، قبل عقد المؤتمر الاقتصادي، والتي بدأت بقانون أتاح تخصيص الأراضي بالأمر المباشر في أواخر عام 2014، ثم قانون الاستثمار الذي صدر قبيل عقد المؤتمر الاقتصادي بساعات، حيث نشر في الجريدة الرسمية بتاريخ (12 مارس/آذار الجاري)، وعقد المؤتمر (13ـ 15 مارس)، ومنح هذا القانون المستثمرين حصانة قضائية غير مسبوقة، وفتح باباً للفساد بإعطاء رئيس الوزراء سلطة منح "حوافز" وإعفاءات تقديرية، إضافة إلى المادة التي تنص على عدم جواز رفع دعوى أو اتخاذ أي إجراء من إجراءات التحقيق في جرائم المال العام، المنصوص عليها في الباب الرابع من الكتاب الثاني التي ترتكب من المستثمر، بصفته أو بشخصه، إلا بعد موافقة مجلس إدارة الهيئة العامة للاستثمار، وعلى الرغم من ذلك، يبدو أن هذه التسهيلات لم تكن كافية لهذا الانقلاب في إهداره الموارد المصرية، والتصرف فيها بالأمر المباشر. إذ استكمل مخططه بيع مصر على عدة مستويات، حيث أسند، في المؤتمر الاقتصادي، مشروع العاصمة الجديدة، وبغض النظر عن المشكلات المتعلقة بهذا المشروع في حد ذاته، لشركة أجنبية "إماراتية"، متجاهلاً حق المواطن في المعرفة في حفظ حقوقه وأملاكه التي بات الانقلاب يتصرف فيها بعدم مسؤولية، وبتعمد الإهدار والإضرار. أتت تلك السياسات التي تتعلق بالأمر المباشر تتزايد مساحاتها مع الانقلاب العسكري، والتي اتخذت في حزمة من الشواهد، كلها تشير إلى تورط المؤسسة العسكرية في الشأن الاقتصادي، وكأنها المقاول الأكبر، ودخولها كل المشروعات، خصوصاً التي ترتبط بـ "جبايات الطوق"، وغير ذلك من أمور، وبدت تلك المؤسسة تتدخل في الشأن الاقتصادي المدني، بدعوى مشاركتها في عمليات التنمية، وبدت كل هذه الأمور ضد قواعد الشفافية والتنافسية معاً، وبدت المؤسسة ـ أيضاً ـ لها مجالها الاقتصادي والتخصص في الأراضي، وتخصيصها في سياسات تنعدم فيها المعلومات الكافية وأصول الشفافية .
وفي هذا السياق، لابد وأن نلحظ أن سياسة الأمر المباشر، والتي تتفق مع طبيعة محاولات قيادات العسكر عسكرة المجتمع والدولة تتواءم مع سياسات "الأمر" و"المباشرة"، خصوصاً أنها تمارس ذلك في سياق تسييرها أمورها الداخلية، وصار هذا التعميم خطراً الذي لم يعد، بأي حال، يتعلق بمساحات التنمية أو الاقتصاد، لكنها امتدت وتغولت على مساحات في السياسة والإعلام والقضاء. ومن هنا، سنرى سياسات خارج إطار القانون، مثل "هكلملك القاضي"، وأخرى "هكلملك الإعلاميين بتوعنا" الذي يصدر لهم التوجيه بالأمر المباشر، فيتناولون ما يؤمرون بالأمر المباشر، في سياق دولة "التليفون"، وكأن الأمر، أيضاً، يمتد إلى ساحات السياسة، فيأمر بأن تكون هناك قائمة واحدة، لخوض الانتخابات البرلمانية، معتدياً بذلك على مسارات التنوع، في إدارة الحياة المدنية ومجتمعات القوى السياسية، أخطر من ذلك أن يتم بطريقة أشبه باختطاف العصابات، في عملية تصنيع برلمان على المقاس الإنقلابي، إن تم، يسهم في توطين سياسات الأمر المباشر واستراتيجياته.
صرنا بعد الانقلاب في دولة تقنن مصالح تحالفات الدولة العميقة، والقميئة، فساداً واستبداداً، لتحرك المعنى الذي ساد "كله بالأمر المباشر"، وفي إطار سياسات أقرب ما تكون من سياسات "عصابة في غابة"، وكذلك سياسات "العزبة" و"الوسية". وبعد ذلك، يحدثنا هؤلاء عن الديمقراطية وعن الدستور وعن محاسبة ومساءلة وعن دولة مدنية. أين هؤلاء جميعاً من سياسات الأمر المباشر التي تصدر للجميع بلا قيد أو شرط، فتغتصب السياسة ويهيمن على الاقتصاد، ويوجه الإعلام، ويُسيس القضاء لمصلحة دنيئة، وممارسة لقدرات الفساد والإفساد؟ 

العربى الجديد

0 التعليقات:

Post a comment

 
الحصاد © 2013. All Rights Reserved. Powered by Blogger Template Created by Ezzeldin-Ahmed -