أفلس عبد الفتاح السيسي ففتش في دفاتره القديمة، فلم يجد سوى تكتل "3 يوليو" بالداخل.. هو ما بقي له، فقرر دعوته لحضور مؤتمر خطب فيه باعتبار أن المصائب يجمعن المصابينا!.

يقولون: "إذا أفلس التاجر فتش في دفاتره القديمة"، ومن يتابع الأحداث التي استجدت على المشهد المصري، بل والأداء البائس لقائد الانقلاب مؤخراً، سيقف على أن الرجل يعيش أسوأ حالاته منذ أن اغتصب السلطة في 3 يوليو 2013!.

فمنذ أن تم تنصيب السيسي رئيساً للبلاد، وهو يدير ظهره للجماعة التي مثلت غطاء مدنياً للانقلاب العسكري، والتي مثلت كذلك غطاء ثورياً للثورة المضادة.

وقبل تولي المنصب رسمياً، أقال وزراء جبهة الإنقاذ، فأقال رئيس الحكومة التي فرضته الظروف في بداية الانقلاب الدكتور حازم الببلاوي، وعين إبراهيم محلب عضو لجنة السياسات بالحزب الوطني "المنحل"، مكانه، واستغنى عن خدمات وزير التعليم العالي حسام عيسى، ووزير القوى العاملة كمال أبو عيطة، وقد استقال قبل ذلك نائب رئيس الوزراء زياد بهاء الدين، لأنه أدرك مبكراً أنه شخصية غير مرغوب فيها، فلم يعد الانقلاب بحاجة إلى أمثاله لتجميل الصورة!.

أما حركة "تمرد" فقد انتهت واقعياً، إلا من محاولات من مؤسسها الشاب "محمود بدر" ليؤكد أنه على قيد الحياة، وبدا هو وحده في المشهد، يؤسس حزباً، ويطمح في أن يكون عضواً في البرلمان، ويطمع في أن يدير مصنع بسكويت. وتسريب القرارات التي حصل عليها من عبد الفتاح السيسي بتخصيص الأرض للمصنع، أمر كاشف عن أن جهات في السلطة القائمة قررت أن تجهز على الفتى. وفي وقت لاحق رفضت لجنة شؤون الأحزاب تأسيس حزبه، كما أيدت المحكمة الإدارية العليا (دائرة الأحزاب) قرار الرفض!.

وقد ظلت أحزاب ما سمي بجبهة الإنقاذ لا تمل من طلب لقاء "الرئيس"، الذي عندما مل من الطلب، منح صحيفة "الشروق" الخاصة، حق دعوتهم والوقوف على ماذا يريدون، في الوقت الذي عقد أكثر من خمسة عشر لقاءً برؤساء تحرير الصحف، ومقدمي البرامج في فضائيات الثورة المضادة.

وبدا واضحاً، أن السيسي ليس مهتماً بهذه الأحزاب، لعلمه أنه لا وزن لها في الشارع، ولم يستمع لاقتراحاتها بشأن قوانين الانتخابات، التي قررها بدون أن يناقش مطالبها، وبعد أن كانت الأحزاب قد رفضت في ظل حكم المجلس العسكري، أن ينص قانون الانتخابات على أن تكون نصف المقاعد فيها للقوائم الحزبية ونصفها للمقعد الفردي، ليجري التغيير ويكون الثلثان للقوائم والثلث للمقاعد الفردية، جاء القانون في هذه الانتخابات لينزل بنسبة القوائم لأقل من الثلث، ولتكون عشرين في المئة، بواقع 120 مقعداً.

لقد طالبت أحزاب الموالاة بالعودة للقانون القديم، ولم يهتم عبد الفتاح السيسي بمجرد مناقشتها، أو عرض القانون للنقاش المجتمعي.

وكذلك الأمر بالنسبة لقانون "الدوائر الانتخابية"، فقد صدر القانون، وفرض على هذه الأحزاب، وهي المعنية بالأمر. وبدأ الحديث عن الكتلة الحرجة في هذا الانقلاب التي بدأت في التململ، وكان الحديث لكتاب ينحازون للسيسي وحكمه، وقد اتهموه " بأدب بطبيعة الحال" بأنه غيب السياسة وطالبوه بأن يحسم خياراته. وقد فاتهم أنه حسم بالفعل هذه الخيارات، وقرر أنه ليس مع هؤلاء، وليس مع من له أي مرجعية سياسية، وإن كان من أنصاره، الذين يسبحون بحمده، آناء الليل وأطراف النهار!.

وبدأت هذه الأحزاب تتقرب إليه بالنوافل. والسيد البدوي شحاتة، رئيس حزب "الوفد"، ظل طوال الوقت مشغولاً بمعرفة خيارات السيسي عن بعد ليتبناها، وقد ظن في لحظة، أن السيسي يريد عدلي منصور رئيسا للبرلمان، فقال إنه خيار "الوفد" لرئاسة البرلمان. ليصبح أقدم حزب سياسي في مصر، لا يطمع حتى في المنافسة على هذا المقعد المهم. ويقترب هذا الحزب ويبتعد من قائمة الجنزوري الانتخابية، بحسب "منامات" رئيسه، فإن رأى في ما يرى النائم أن كمال الجنزوري يعد قائمته بتكليف من السيسي تحالف معه، وإن رأى أنها محض اجتهاد من الجنزوري، فقد تم الإعلان عن فشل المباحثات، ليتم الاقتراب والبعد مرة أخرى بحسب "المنامات الجديدة"!.

وفي سبيله للتقرب للسيسي زلفى، أعلن رئيس "الوفد" أن نواب حزبه سوف يتبنون تعديل الدستور في البرلمان، لمنح رئيس الجمهورية صلاحيات جديدة، لأن الصلاحيات الموجودة في الدستور الحالي لا تكفي. مع أن من وضع الدستور لجنة شكلها الانقلاب، وكان "البدوي" عضوا فيها، وأن السيسي أجرى تعديلات عليه من وراء ظهر اللجنة!.

النائب السابق، وأستاذ العلوم السياسية، الدكتور جمال زهران، وهو واحد من الذين يقدمون أنفسهم على أنهم أصحاب ثورة يناير، استشعر في مرحلة ما، أن السيسي لا يريد انتخابات برلمانية الآن، فتطوع من تلقاء نفسه وقال إنه مع تأجيلها لمدة عامين!.

وعدد من قادة الأحزاب استشعروا بما استشعره زهران، فقالوا إنه لو دعاهم الرئيس للقائه فسوف يطالبونه بتأجيل الانتخابات!.

بيد أن السيسي استمر في إعراضه عنهم، وبعد أن حددت اللجنة العليا للانتخابات موعد إجراء الانتخابات البرلمانية، التقى برؤساء الأحزاب على يومين، ذراً للرماد في العيون، حيث لا قيمة للقاء إذن، فقد أقرت قوانين الانتخابات وتقسيم الدوائر، ليصبح اللقاء هو مجرد "جلسة لالتقاط الصور التذكارية"، وقد ذكر السيسي في هذا اللقاء أنه يتمنى أن تخوض الأحزاب جميعها الانتخابات على قائمة واحدة.. وواضح من ذلك أنه من المؤمنين بالتنظيم السياسي الواحد، الذي اعتمده انقلاب العسكر في يوليو 1952، صيغة للحكم، بعد تجربة تعددية، كان فيها حزب "الوفد" هو حزب الشعب، وكانت الأحزاب الأخرى هي أحزاب الأقلية التي تحكم بقرار من الملك، تماماً كما هي أحزاب جبهة الإنقاذ بما فيها حزب "الوفد"، هي أحزاب الأقلية التي تستمد قيمتها من إزاحة الانقلاب لحزب الأغلبية ممثلاً في "الحرية والعدالة".

لقد دعا رئيس حزب "الوفد" لاجتماع على الفور في اليوم التالي للاستعداد لتحويل "أمنية" السيسي إلى واقع، وخوض الأحزاب يسارها ويمينها ووسطها الانتخابات على قائمة واحدة.. فأماني السيسي أوامر.

بيد أن السيسي الآن مأزوم فقد خسر خسارة كبيرة، برحيل الملك عبد الله، العاهل السعودي، وما قدمه للانقلاب كثير، باعتراف السيسي نفسه في خطابه أمس الأحد (1 فبراير)، ومن الواضح أنه لولا تأييده للانقلاب، لما حصل، ولا يتوقف دعمه على ضخ المليارات، التي لا نعرف أين ذهبت، ولكن في توفير التأييد الدولي له!.

كما خسر كذلك بفقد خالد التويجري، رئيس الديوان الملكي، وهو رأس الفتنة، ومدير الانقلاب، والمسيطر على القصر الملكي في حكم الملك عبد الله.

ومن المؤكد أن الملك الجديد سلمان بن عبد العزيز، لن يخوض حرباً من أجل عودة الشرعية في مصر، لكنه لن يكون كسلفه معاديا للإخوان بلا مبرر سعودي، وهو قريب من الرئيس التركي أردوغان، ولن يكون في تعامله مع الدوحة فظاً غليظ القلب لحسابات مرتبطة بسلطة فاشلة في مصر.

الملك سلمان أمامه تحديات كبرى، فالأولويات السعودية في العهد السابق التي تمثلت في إفشال الربيع العربي، وبهزيمته في مصر واليمن، وبالعداء لدولة الموالاة في تركيا على هذه القاعدة، كانت سبباً في هزيمة المحور السني الذي تقوده القاهرة، والرياض، وإسطنبول، ليبرز النفوذ الإيراني، ولتصبح المملكة محاطة بالأعداء من كل جانب. فهزيمة الثورة في اليمن لم تكن لتحدث لولا الدفع بالحوثيين للمواجهة والتمدد، وفي العراق يقع العداء بين السلطة الموالية لطهران في العراق وتنظيم الدولة الإسلامية. ومع أن أفراده ينتمون للمذهب السني إلا أنهم يمثلون تهديداً للعربية السعودية.

ومواجهة المملكة العربية للتحديات التي تحيط بها، لن تجعلها على وئام مع السلطة القائمة في مصر، إلا في الحد الأدنى وفي الإطار البروتوكولي.

ودولياً، فلا تخطئ العين دلالة، الإدانة التي صدرت من الاتحاد الأوربي، لتنكيل الانقلاب بالمتظاهرين عشية الذكرى الرابعة لثورة يناير، والاتحاد الأوروبي كان جزءاً من الإطار المشجع على هذا الانقلاب، ودور آشتون في ذلك بات من المعلوم من الاتحاد الأوروبي بالضرورة.

كما أنه لا يمكننا تجاهل أن الإدارة الأمريكية، "الراعي الرسمي" لهذا الانقلاب، قد أصبحت قلقة، مما تظنه انجرار الإخوان للعنف، وتم التعبير عن ذلك لوفد المجلس الثوري والبرلمان الشرعي لوزارة الخارجية الأمريكية مؤخراً، وغني عن البيان أن الوفد أكد أن الإخوان لا يقفون وراء هذا العنف، كما أنه غني عن البيان أيضاً أن ممثل البيت الأبيض في اللقاء عتب على اتهام الولايات المتحدة الأمريكية بأنها تقف وراء ما جرى في مصر، وكان التأكيد على أن واشنطن تقف مع مصالحها، وجاء الرد بأن مصالحها ليست في أمان!.

ولا يخفى على لبيب دلالة القلق الذي أصاب سلطة الانقلاب من جراء هذه اللقاء، وإذا كانت هناك تأكيدات على أن الموقف الأمريكي لم يتغير من كونه راعياً للانقلاب، فإنه في الحد الأدنى لن يكون متحمساً لعبد الفتاح السيسي!.

وقد استشعر السيسي التحول الذي يمكن أن يطرأ على الموقفين السعودي والأمريكي، فسعى لدغدغة المشاعر، ظنا منه أن مواقف الدول يمكن أن تحكمها العواطف الجياشة، فقرر بناء جامعة تحمل اسم "الملك عبد الله"، كما أنه وجه الشكر للموقف الفرنسي المساند. وتجاهل الموقف الأمريكي، أمر يؤكد أن تقييمنا للموقف في محله.

إزاء هذا الجفاء الإقليمي والدولي، لم يكن أمام السيسي إلا أن يبحث عن الدفء العاطفي داخليا، وبالتقرب من قوى 3 يوليو، ولا يستثني من الدعوة حمدين صاحبي، وإدارة حوار عاطفي معه، بإبداء سعادته لوجوده "معانا"، مع أن إعلام الانقلاب الذي ثبت من التسريبات أنه يدار من مكتب السيسي نفسه، قام بحملة إبادة ضد صباحي، استهدفت أن يتم تغييبه عن المشهد برمته!.

ورغم أنه لم يكن الخطاب الأول للسيسي، بعد اغتيال المناضلة اليسارية شيماء الصباغ، إلا أنه حرص في لقاء أمس، وفي سبيل سعيه لإعادة بناء تحالف 3 يوليو من جديد، على أن ينعاها، وطلب من وزير الداخلية الإسراع في تقديم الجاني للمحاكمة، وعلى الفور اتخذت النيابة قرارها بإخلاء سبيل القيادي بحزبها "التحالف الاشتراكي"، وكانت الشرطة قد قدمته للنيابة متهماً بقتلها، في المظاهرات التي شهدتها منطقة "وسط البلد" بمناسبة الذكرى الرابعة لثورة يناير!.

وبعد الخطاب، فإن الإعلامي المقرب من عبد الفتاح السيسي "أحمد موسى" تحدث في برنامجه على قناة "صدى البلد" عن ضرورة الوحدة بين مكونات 3 يوليو، وهو الذي أنيط به الهجوم على من شاركوا في ثورة يناير ويوليو، ونال حمدين صباحي النصيب الأكبر. هذا الكلام نفسه سمعته ليلتها من أكثر من إعلامي.

لن أقول إن الانقلاب يترنح حتى لا أعطي فرصة للسخرية منا من قبل "كلاب السكك"، حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، فالمؤكد أن السيسي يترنح.

فالانقلاب ما كان له أن ينجح إلا بدوائره الدولية، والإقليمية، والداخلية، وقد فقد الحماس الدولي، والتأييد الإقليمي، وداخليا فأحزاب الأقلية لا تسند أحداً وتحتاج لمن يسندها.

ومشهد النهاية بيد الثوار وحدهم، إن أصابهم اليأس بقي الانقلاب والسيسي، وإذا استمروا فهم من يحددون درجة النجاح، فقد يكون بإبعاد السيسي فقط من المشهد وفق نظرية "تدوير الانقلاب"، وإذا اشتدوا في ثورتهم أطاحوا بالانقلاب كله.

الكلمة للثوار.

0 التعليقات:

Post a comment

 
الحصاد © 2013. All Rights Reserved. Powered by Blogger Template Created by Ezzeldin-Ahmed -