ليس لما يحدث فى اليمن من مسمى غير تحول الدولة الوطنية من دولة فاشلة ذات مؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية عاجزة وغير قادرة على احتكار الاستخدام المشروع للقوة الجبرية، إلى دولة منهارة تختفى مؤسساتها وأجهزتها، وتتفكك أقاليمها، وتتكالب على المواطن والمجتمع بها وتتنازع على الحكم / السلطة ميليشيات ومجموعات مسلحة منها الطائفى كالحوثيين ومنها القبلى والمناطقى كمجموعات الحراك الجنوبى ومنها الإرهابى كخلايا تنظيم القاعدة ومنها بعض مراكز النفوذ التقليدية داخل بقايا المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية، ومآلها إن تواصلت الدينامية الراهنة حروب الكل ضد الكل وصراعات الميليشيات اللانهائية واستنساخ نموذج التفتت الصومالى. لم تبدأ دينامية التفتت الصومالى فى اليمن مع الانتفاضات الشعبية فى 2011، بل سبقت هذا التاريخ بسنوات وارتبطت عضويا 1) بسلطوية الرئيس السابق على عبدالله صالح، 2) وباستتباعه لمؤسسات وأجهزة الدولة فى صراعات السيطرة بين المجموعات الطائفية والقبلية والمناطقية، 3) وبتهميشه للقوى الفاعلة فى جنوب اليمن بعد الهزيمة العسكرية للانفصاليين فى النصف الأول من تسعينيات القرن العشرين، 4) وبعجزه عن فرض سيادة القانون واحتكار الدولة الوطنية للاستخدام المشروع للقوة الجبرية على نحو مكن الكثير من القبائل والحوثيين فى شمال اليمن والقاعدة فى جنوبها من التسلح وبناء تحالفات إمدادات السلاح والمال مع أطراف إقليمية ودولية، 5) وبسوء توزيع الثروة وتصاعد الفساد وغياب الجهود التنموية الفاعلة وسياسات العدالة الاجتماعية إلى حدود كارثية لم تمكن اليمن أبدا من مغادرة قائمة دول العالم العشر الأكثر فقرا وأمية وتدنيا فى ظروفها المعيشية وحظوظ الناس من الخدمات الأساسية.

لم تبدأ دينامية التفتت الصومالى فى اليمن مع 2011، بل تواصلت معه وبعده على وقع عجز الميليشيات والمجموعات المتصارعة ومراكز النفوذ عن وضع حد لحروبها إن ببناء التوافق ومن ثم حماية المواطن والمجتمع وإعادة تثبيت الدولة الوطنية فى سياق التزام السلم الأهلى والتحول الديمقراطى، أو بحسم الحروب والصراعات سلطويا بسحق البعض للبعض الآخر ومن ثم فرض «القمع ذى العنوان الواحد» على المواطن والمجتمع وفرض سيطرة المنتصرين على الدولة الوطنية ومؤسساتها وأجهزتها وتثبيتها سلطويا إلى حين ـ وليست حروب الحوثيين اليوم إلا استمرارا لمحاولات عنيفة وسلطوية الطابع لسحق بعض الأطراف المتصارعة وفرض سيطرة منتصر وحيد على المواطن والمجتمع والدولة، ولن يكون مآلها إلا الفشل وتسريع وتائر دينامية التفتت الصومالى.

وكلفة الدينامية هذه باهظة لجهة المواطن فى اليمن الذى تحيط به من كل جانب كوارث العنف والإرهاب والفقر والأمية والانهيار الكامل لظروف الحياة والمعيشة، ولجهة المجتمع الفاقد للسلم الأهلى والذى تتكالب عليه الميليشيات الطائفية والقبلية والمناطقية والإرهابية وبقايا مراكز النفوذ فى بعض المؤسسات والأجهزة، ولجهة الدولة الوطنية التى زج بها إلى متوالية الانهيار ــ الاختفاء. هنا الكلفة الإنسانية والمجتمعية الباهظة لدينامية التفتت الصومالى التى ينبغى علينا السعى للحد من سرعة وتائرها فى اليمن وإيقافها قبل أن تلتهم بلد عربى جديد وتواصل إشقاء مواطنيه، وقبل أن تلامس تداعياتها الإقليمية باتجاه شبه الجزيرة العربية ـ خاصة باتجاه المملكة العربية السعودية - وباتجاه باب المندب وبعض مرتكزات الأمن الإقليمى العربى والأمن القومى المصرى وباتجاه ظواهر الإرهاب والعنف تخوم الكوارث غير القابلة للاحتواء.

غدا.. هامش جديد للديمقراطية فى مصر.

0 التعليقات:

Post a comment

 
الحصاد © 2013. All Rights Reserved. Powered by Blogger Template Created by Ezzeldin-Ahmed -