عمرو حاذق - ارشيفية

بحسب «المصري اليوم» ننشر رسالة من الشاعر عمر حاذق، المعتقل على خلفية مشاركته في وقفة احتجاجية بالتزامن مع إعادة محاكمة قتلة خالد سعيد ووجهت له النيابة تهمة خرق قانون التظاهر، بعد مرور عام وهو داخل السجن.

ونص الرسالة كالآتي: «أفكر فيكم يا إخوتي في محبة هذا الوطن، أفكر فيكم حيث يقترب هذا الفجر العزيز على قلبي، فجر الثاني من ديسمبر الذي يتمّم سنة كاملة لي في السجن. في مثل هذا الفجر كنت مستغرقاً في النوم، منتظراً رنة الموبايل، ثم إفطاراً خفيفاً، وانطلاقاً إلى مكان المظاهرة، أمام محكمة المنشية حيث محاكمة قتلة خالد سعيد، رحمه الله، لنحتج على التوجه القمعي للسلطة الجديدة التي تنكّرت لوعودها واجتهدت في إحياء دولة مبارك حتى سبقتها.

في تلك الأيام كنت مقهوراً على ما صرنا إليه، وكان لدي هاجس حكيته لصديقة سابقة في تلك الأيام بأنني عاجز عن السكوت على ما يحدث، متوقع أن يصيبني أذى لا يمكنني تحديده بسبب ما سأشارك فيه من مظاهرات.

في ذلك الصباح، قمعتنا الشرطة، ورأيتهم يضربون شاباً منا لم أكن أعرفه، سحلوه وداسوه بأحذيتهم واعتقلوه فأصررنا على المطالبة بإخراجه، ثم أمطرونا بقنابل الغاز فاضطررنا للابتعاد، ثم تقدمتُ مرة أخرى فلم أجد احداً أمام المحكمة إلا قوات الأمن المركزي، ففكرتُ في المغادرة إلى مكتبة الإسكندرية حيث كنتُ أعمل غير أنني خجلت مما شاهدتُه من ضرب وسحل للشاب المسكين.

ثم رأيت الضابط الذي كان يقود ويصد الأوامر فذهبتُ إليه فوراً، وقبل أن أكلمه قال لي «إنت لسه ما مشتش من هنا؟» فسألتُه عن مصير زميلنا فقال إنه سيُعرض على النيابة لاتخاذ الإجراءات القانونية ضده، فقلتُ له إنه ضُرب وانداس عليه بالجزم فكيف تُتخذ ضده إجراءات وهو ضحية، فغضب وقال لي بالنص: «طيب والله لو ما مشتش دلوقتي لأقبض عليك إنت كمان، فأجبته بهدوء بأنني لا أقول له إلا ما يرضي ضميري ولم أقل له إلا الحق وأصررتُ على أن زميلنا تم ضربه بوحشية لا معنى لها، فأمر المخبرين المحيطين به بالقبض عليّ، ثم جاءت فرقة أمن مركزي تجري إليّ بعصيّها لأن عادتهم كانت ضربنا ضرباً مبرحاً في الشارع أو في المدرعة، غير أن قائد هذه الفرقة تسلمني من المخبرين وأصر على ألا يضربني أحد، ثم سلمني لحجز محكمة المنشية، حيث التقيتُ بالشاب المسكين الذي اكتشفُت بعدها أنه واحد من أشجع الناس الذين عرفتُهم في حياتي، التقيت برفيق الزنازين لؤي القهوجي ...

في هذه السنة الواحدة عشتُ عُمْراً أغنى وأروع من سنوات عمري كلها، باستثناء أيام يناير العظيمة وأيام قليلة من ثورتنا على سراج الدين الذي سارع إلى فصلي منذ شهور لأنني «خطر على أمن الوطن من الداخل»، وإذا قرأتم رسائلي السابقة ستعرفون ما أقصده بهذا العمر الجميل من التأمل والتحرر والكتابة وفهم الناس والحياة .

كنت أقول لكم إنني أفكر فيكم يا إخوتي في هدأة الليل حيث أخلو إلى نفسي، وأجمع لكم قطع الأوريجامي التي صنعتها لأهديها لكم في أقرب حفل توقيع لروايتي الجديدة «روائي المدينة الأول».

ولهذا الأمر حكاية من حكايات السجن. ففي سجن الحضرة سعدتُ بصحبة أخي الفنان شريف فرج وكان لديه كتالوج لقطع أوريجامي كثيرة وورق ملون يصنعه عصافير وفقاً لنموذج الكتالوج. يومها طلبتُ منه أن يعلمني هذه العصفورة فعلمني لكنني فشلتُ في فهم الأمر. كنتُ أظن أن ثمة حواجز بيني وبين ممارسة أي فن تشكيلي ما عدا تذوقه، فلم أحاول تعلم عمل العصفورة رغم أنها تُصنع في تسع خطوات فحسب. ثم في شهر سبتمبر الماضي بعد ترحيلي لسجن برج العرب، طلب مني عم محمد، الرجل البسيط كالطفل أن أحضر له ورقاً ملوناً لكتابة خطاباته لزوجته، فطلبتُ من أسرتي فالتبس الأمر عليهم وأحضروا الورق الملون السادة الذي كان يستخدمه شريف فرج في صناعة العصافير، فانتفض ذلك الحلم القديم، لأنني رأيتُ منذ سنوات إعلاناً على الفيس بوك عن ورشة عمل لتعليم فن الأوريجامي، وتمنيتُ المشاركة فيها، غير أن الحواجز الوهمية في ذهني صرفتْني عن ذلك، لكن في تلك اللحظة التي رأيتُ فيها الورق الملون، بعد أن عشتُ في السجن ما يكفي لأتعلم أن كثيراً مما نظنه مستحيلاً أسهل يسير إذا آمنا بأنفسنا قليلاً، وأن قدرة الانسان، أي إنسان، لا حدود لها، في تلك اللحظة قررتُ أن أتعلم فن الأوريجامي وكنا مقبلين على عيد الاضحى، خارجين من عيد الفطر، حيث الفترة الأقصى على أي سجين، ومنْ جرب السجن يعرف، وحده، معنى قضاء الأعياد بعيداً عن الأهل والأحباب، في الزنازين القذرة المكتظة بالجرب والرطوبة الخانقة والسجناء الفقراء، فخطر لي أن هذا هو وقت العصافير الملونة، وكنت أرى في سجن الحضرة فرحة الزملاء الذاهبين إلى قاعة الزيارة بالعصافير الملونة التي سيقدمونها لأطفالهم وزوجاتهم .

طلبت من أسرتي صورة من كتالوج شريف، وكان قد خرج بسلامة الله، فتكرم بتسليمهم صورة منه، وعانيتُ أول الأمر في تعلم نموذج العصفورة رغم سهولته لأن الكتالوج باللغة الإنجليزية وأنا متوسط في فهمها. صنعتُ العصفورة وبدأتُ أوزعها ثم صنعتُ نماذج حيوانات أخرى وصل بعضها إلى ثلاثين خطوة، لم أحلم لحظة رأيتها بإتقانها أو حتى مقاربتها .

منذ أسبوعين عرفتُ بانتحار الفتاة الاستثنائية زينب المهدي احتجاجاً شجاعاً، عاصفاً على الاعتداء الأمني على الفتيات. أشعر بعجز تام تجاه حالة إنسانية كهذه، لذلك فكرتُ في تكريم لها، والعين بصيرة واليد قصيرة كما يقول المثل، فلم اجد تكريماً لها، لإنسانيتها وضعفها النبيل أمام إهدار كرامة الانسان، إلا أنْ أستجيب لأكثر من طلب طلبه بعض الزملاء، بعمل ورشة عمل لأعلمهم فن الأوريجامي خلال فترة التريض اليومي داخل عنبرنا، سنبدأ اليوم درسنا الاول. من كان يظن في يوم 2 ديسمبر الماضي أنني اليوم سأصبح معلم فن الأوريجامي لعدد من زملائي، حتى يمكننا إنتاج قطع أكثر، ليفرح أطفال أكثر بألواننا، تكريماً لزينب التي ساعدتْني كثيراً على تجاوز البراءة التي نالها المجرم مبارك، الذي أدعو الله أن يطيل عمره ليظل دافعاً إلى ثوات وانتفاضات قادمة في سبيل الحرية.

ها هي الشمس تتسلل، حانية إلى زنزانتي، وأنا أفكر فيكم يا إخوتي في محبة هذا الوطن، أجمع لكم قطع الأوريجامي وأعبئها مستدفئاً بقلب زينب رحمها الله، متفائلاً بأن شباباً وفتيات مثلكم لن يسمحوا للظلمة والمستبدين بأن يجرحوا قلب هذا الوطن».

0 التعليقات:

Post a comment

 
الحصاد © 2013. All Rights Reserved. Powered by Blogger Template Created by Ezzeldin-Ahmed -