فى إطار ترتيب احتفال تكريم الأوائل الذى أقيم فى جامعة القاهرة أبلغت سلمى حسين محمد الأولى على جامعة بنها بأنها ستكون بين المكرمين. إذ تلقت اتصالا هاتفيا بذلك المضمون من وزارتى التعليم العالى والشباب، وطلب منها ان تبعث إلى الجهة المنظمة للاحتفال بصورة شخصية وسيرة ذاتية. وهو خبر كان له وقعه الطيب لدى الفتاة والأسرة. إلا أنه حين اقترب الموعد (يوم الأحد الماضى 28/9)، فإن الاتصال توقف وفوجئ الجميع بأن اسم سلمى استبعد من بين المكرمين. وتم تكريم خريجة أخرى كانت الأولى على كلية الحاسبات والمعلومات بجامعتها، صدمت الفتاة لاستبعادها.

ولأنهم تخيروا الأولى على كلية التمريض فى جامعة سوهاج التى حصلت على 92٪ من مجموع الدرجات، فى حين ان سلمى تفوقت بجدارة على خريجى كلية تمريض بنها حيث حصدت 98٪ من الدرجات، ورغم أن رئيس جامعة بنها وعميد كلية التمريض بالكلية وقيادات الجامعة كانوا قد كرموها، إلا أن ذلك لم يخفف كثيرا من شعورها بالانكسار والحزن لاستثنائها المفاجئ من حفل التكريم الذى حضره رئيس الجمهورية.

القصة أعادت إلى ذهنى ما حدث فى مناسبة عيد الفن الذى أقيم فى 13 مارس من العام الحالى، وحضره الرئيس المؤقت المستشار عدلى منصور، ذلك ان جهدا كبيرا بذل آنذاك لإخراج المناسبة على أفضل وجه، بعد توقف استمر ثلاثين عاما. واختير لإقامته يوم ميلاد الموسيقار محمد عبدالوهاب، وجرى فيه تكريم اسماء وأشخاص 14 من كبار الفنانين فيه بمنحهم وسام الجمهورية للعلوم والفنون. آنذاك وقع الاختيار على الفنان محمد محسن ليقدم إحدى فقرات برنامج الاحتفال، باعتبار أنه من أبرز المطربين الصاعدين الذين تخصصوا فى الأغانى التراثية والعربية، خصوصا أغانى سيد درويش ومحمد عبدالوهاب، وله سجل مشهود فى ذلك المجال، حيث قدم العديد من الأعمال فى الأوبرا المصرية وفى روما وبيروت، كما جرى تكريمه فى عدة مناسبات عربية باعتباره نموذجا فريدا للفنانين الشبان. المهم أن محمد أعد نفسه جيدا للمناسبة، وشهد البروفة الأخيرة لأغنية «قوم يا مصرى» التى كان سيقدمها وزير الثقافة آنذاك ورئيسة الأوبرا. وفى اليوم المحدد ذهب صاحبنا إلى دار الأوبرا لكى يقدم أغنيته. وأثناء انتظاره للموعد تقدم منه شخصان وأخبراه بأنهما من رئاسة الجمهورية، وطلبا منه ان يصحبها لحديث خاص يستغرق دقائق. فخرج معهما صامتا وتتبعهما حتى خرجا من المبنى وأوصلاه خارج البوابة، وتركاه هناك ثم عادا أدراجهما. عقدت المفاجأة لسانه وأجرى اتصالا بمنظمى الاحتفال الذين فهم منهم ان ثمة اعتراضا أمنيا عليه أدى إلى استبعاد اسمه من مقدمى فقرات الحفل.

القصة الأولى نشرتها جريدة «الشروق» يوم الأربعاء الماضى (1/10)، والثانية ذاعت فى بعض الصحف وتناقلتها وسائل التواصل الاجتماعى فى حينها. ووجدت أن القاسم المشترك بينهما انهما يمثلان نموذجا لشباب مصر الموهوب نباهة وتميزا، الذى ينتظره مستقبل كبير، ولكن موهبته لم تشفع له لأن الحسابات الأمنية صاحبة الأولوية فى التقدير أوصدت الأبواب فى وجهيهما. وقد وجدت ان استدعاء النموذجين يفيدنا فى مناقشة ومراجعة ما أثير بخصوص جذب الشباب وتشجيعه على الانخراط فى العمل العام. وهى الفكرة التى باتت تتردد فى الفضاء السياسى المصرى، وأشارت قرائن عدة إلى أن الرئيس عبدالفتاح السيسى يتبناها ويحبذها. وقد عبر عن ذلك أخيرا حين أعلن فى حفل تكريم الأوائل عن الاتجاه إلى إنشاء مجالس متخصصة تابعة لرئاسة الجمهورية، يكون نصف أعضائها من الشباب. وكان قبل ذلك قد وجه بتعيين الشباب فى مناصب مساعدى الوزراء والمحافظين، كما دعا جريدة الأهرام إلى فتح صفحتها لإجراء حوار مع الشباب نشرته على يومين ابتداء من 23/9.

ما دعانى للعودة إلى الموضوع الذى كنت قد ناقشته من قبل اننى وجدت ان الأفكار المطروحة لا تخدم الهدف المرتجى، لأنها تقوم على قاعدة استدعاء الشباب واغرائهم بالوظائف والمناصب، وهو اسلوب يؤدى إلى تجنيد الشباب وليس اشراكهم فى العملية السياسية. ذلك ان الاستدعاء سيقوم على الانتفاء، ويكون المعيار الأساسى فيه ليس الكفاءة والموهبة ولكن الملاءمات السياسية والأمنية، والقصتان اللتان رويتهما فى البداية تشهدان بذلك.

لن أمل من التنبيه إلى أن المشاركة المجتمعية، الشبابية أو غير الشبابية، لا تتحقق إلا فى بيئة مواتية، تتوفر لها ضمانات الحرية والديمقراطية. وهى البية التى تنتعش فيها السياسة ويقتنع الجميع فى ظلها بأنهم يمارسون حقهم فى المشاركة والمساءلة، ولا ينتظرون لذلك مقابلا أو مكافأة. وحين تتراجع تلك الضمانات سابقة الذكر فإننا نصبح بإزاء واقع طارد للمشاركة وليس مشجعا عليها.

ان السلطة حين تبادر إلى تعيين الشباب فى بعض الوظائف، فإنها ستتخير أنصارها وسوف تقصى من لا تثق فى ولائهم أيا كانت كفاءتهم أو مواهبهم. وقد يعد ذلك من قبيل زيادة أعداد الموالين أو مكافأة المؤيدين أو مكافحة البطالة بين الشباب. وقد يحقق أى هدف آخر غير مشاركة الشباب فى العمل العام. وما يحدث فى الجامعات المصرية الآن أكبر دليل على أن السلطة تريد للشباب أن ينشغلوا بأى شىء باستثناء العمل العام ــ من فضلكم لاتحدثونا عن مشاركة الشباب أو غيرهم قبل أن نختبر خيارنا الديمقراطى، وما إذا كنا جادين فى الالتزام به أم لا.


د

0 التعليقات:

Post a comment

 
الحصاد © 2013. All Rights Reserved. Powered by Blogger Template Created by Ezzeldin-Ahmed -