مع إحياء ذكرى اعتصام فض رابعة الأولى ظهر على مواقع التواصل الاجتماعي ثم المواقع الإخبارية فيديو لمجموعة من الشباب المسلحين الملثمين أعلنوا فيه عن أنفسهم ككتائب مسلحة ستقوم باستهداف الشرطة انتقاما من ممارساتها في أحداث الحرس الجمهوري والنصب التذكاري وفض رابعة والنهضة وغيرها، وسارع تحالف دعم الشرعية التابع للإخوان إلى إصدار بيان يتبرأ فيه من هؤلاء ويصفهم بالصنيعة الأمنية التي تهدف لتشويه الحراك السلمي- على حد تعبيره- أما الداخلية فقد علقت على الفيديو على لسان اللواء عبدالفتاح عثمان- مساعد وزير الداخلية للإعلام والعلاقات العامة- والذى قال إن مقطع الفيديو لما يُسمى بـ«كتائب حلوان»، لم يتم تصويره في مصر، وإن الجماعة لجأت لهذا الأسلوب بعد الفشل في الحشد، كما أنه يعبر عن إفلاسها، وأضاف أناللواء محمد إبراهيم، وزير الداخلية، وجه بتشكيل فريق بحث لدراسة وتحليل بيان ما تسمى بـ(كتائب حلوان) للوقوف على حقيقته وضبط العناصر التي ظهرت فيه. ووصف الدكتور إيهاب يوسف، الخبير الأمني المعروف، الفيديو بأنه مشهد كوميدي لمجموعة من الهواة الذين يجب ألا يلتفت الشعب لسخفهم وحماقتهم.

تحليل محتوى الخطاب الذي تضمنه الفيديو مع ملابسات إذاعته ومكان تصويره وطريقة إخراجه تذكرنا بطريقة الفيديو الفكاهي الذي تم نشره عقب حادثة رفح ومقتل الجنود في فترة الرئيس المعزول محمد مرسي لمجموعة مماثلة من الهواة لم نسمع عنهم بعدها، ولكن بالعودة للفيديو يمكن ملاحظة الآتي:

أولا: اللكنة الريفية للمتحدث ومكان التصوير الذي يبدو أنه شارع جانبي عادي وسط منطقة شعبية أو عشوائية أو شبه ريفية ولا يمكن تصور كيف يقوم إرهابيون باختيار منطقة للتصوير من السهل تحديدها من قبل الأمن، خاصة بعد وقوفهم أمام محول كهرباء مدون عليه رقمه في خلفية الكادر!

ثانيا: مرور بعض المواطنين أثناء التصوير دون توقفهم للسؤال أو حتى المشاهدة مثل عادة المصريين الدائمة.

ثالثا: البيان الذي ألقاه المتحدث لم يكن مكتوبا ولم يكن بيانا بل عبارة عن فضفضة تبرر ما قال إنه انتهاء لعصر السلمية التي يتبناها الإخوان وقال إنهم سئموا منها لأنها لم توقف الانتهاكات؛ لذلك فقد قرروا هم حمل السلاح.

رابعا: تناقض الموقف من الجيش؛ فقد وصفه بأنه جيش كامب ديفيد الذي لم يطلق رصاصة على اليهود على حد تعبيره ثم في النهاية يقول: نحن سنسلم سلاحنا للجيش إذا توقف عن دعم الداخلية؛ ولذلك فتذبذب الرسالة غريب؛ هل هو يرى الشرطة هي العدو بينما الجيش لا؟ أم أنه يعلن الحرب فقط على الشرطة دون الجيش؟ أم أنه يرسل رسالة عتاب وود للجيش؟

خامسا: يقول المتحدث: لسنا إخوان وسئمنا سلميتهم بينما يرفع من حوله علامة رابعة؛ فهل يريد أن يقول الشىء ونقيضه؟ ولا يتصور أن هؤلاء بهذا المستوى المفرط من السذاجة في مخاطبة الرأي العام (إحنا مش إخوان بس بنرفع شارة رابعة).

سادسا: حركات اليد الكثيرة والمتسارعة والغريبة للمتحدث ونقله للسلاح من يد ليد وتعديل وقفته توحى بأن هناك شخصا كان يقف مقابله بجوار الكاميرا يشير إليه أو يلقنه.

سابعا: تحديد المتحدث لمكانه وحدود تحركهم الجغرافي وقصرها على حلوان ومنطقة جنوب القاهرة فقط أمر مثير للاستغراب، فلا يوجد إرهابي يحدد مكانه لأجهزة الأمن وكأنه يقول تعالوا للقبض علينا هنا! وقد يعطي من وجهة نظر أخرى رسالة واضحة لها علاقة بخصوصية المنطقة وعلاقتها بالمصادمات الدائمة بين أنصار الإخوان والشرطة منذ تفجر الاحتجاجات وما شهدته منطقة حلوان من معارك ووقوع ضحايا.

نستطيع بناء على ما مضى افتراض 4 سيناريوهات لقراءة فيديو كتائب حلوان المسلحة:

الافتراض الأول: المجموعة التي ظهرت في الفيديو تنتمي للإخوان وطُلب منها بشكل تنظيمي تنفيذ هذا المشهد السينمائي المهلهل لإرسال رسالة إنذار للنظام الحاكم وأجهزته الأمنية أن هناك تطورا نوعيا سيحدث خلال الفترة القادمة والانتقال صراحة للعمل المسلح الذي لا يحمل لافتة تنظيمية إخوانية رسمية إذا لم تتوقف ممارسات الداخلية والسعي لإغلاق ملف الصراع ضمن مطالب يمكن للنظام قبولها.

الافتراض الثاني: المجموعة التي ظهرت بالفيديو لم تتلق تعليمات تنظيمية بتنفيذ المشهد- وقد تكون بالفعل لا تنتمي للإخوان تنظيميا- وتحركت من تلقاء نفسها باجتهاد محلي في حدود منطقتهم لإرسال رسالة تحذير وزجر للداخلية للتوقف عن ملاحقة رفاقهم في منطقة حلوان وجنوب القاهرة على وجه الخصوص.

الافتراض الثالث: إن جهة ما- قد لا تكون رسمية بالضرورة وقد لا تكون جهة داخلية بالمناسبة- تريد أن تنقل المعركة مع الإخوان إلى بعد آخر من المواجهة يشبه طريقة مواجهة الجماعات التكفيرية بسيناء، حيث تتم التصفية الجسدية أولا بأول مع كل مواجهة مع تهيئة الرأي العام بمنطقية مبدأ التصفية لحمل هؤلاء السلاح وخروجهم على الدولة وتهديدهم السلامة الشخصية للقوات التي تواجههم، أو تريد هذه الجهة تهيئة المناخ لاقتتال أهلي في مصر عبر تهيئة المناخ المجتمعي لذلك، وبمطالعة خبر في غاية الخطورة نشرته «اليوم السابع» في اليوم التالى لظهور الفيديو بتاريخ 15 اغسطس 2014 بعنوان: شائعات عن تشكيل تنظيم «الثأر لمصر» للانتقام من إرهاب الإخوان.

http://www.youm7.com/story/2014/8/15/%D8%B4%D8%A7%D8%A6%D8%B9%D8%A7%D8%AA_%D8%B9%D9%86_%D8%AA%D8%B4%D9%83%D9%8A%D9%84_%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85_%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A3%D8%B1_%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%B1_%D9%84%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AA%D9%82%D8%A7%D9%85_%D9%85%D9%86_%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86/1820970#.U-4nTKNQMgA

وهذا نصه أنقله كاملا لخطورته (شائعات قوية بدأت تنتشر بين الأوساط الشعبية، وانتقلت إلى مسامع عدد من النخب السياسية، عن قيام عدد من الشباب بتشكيل تنظيم «الثأر لمصر»، لمواجهة عنف عناصر جماعة الإخوان وأتباعهم الإرهابيين. الشائعات تضمنت أن هناك شبابا، أثار غضبهم العنف الإرهابي الممنهج، بقتل المصريين، وتدمير ممتلكاتهم، وتهديد أرواح أسرهم، فقرروا أن يشكلوا مجموعة، على غرار «البلاك بلوك» للوقوف في وجه الإرهابيين، وفى وجه كل من يدعمهم بالمال والسلاح، بإعداد قائمة سوداء لكل المتورطين من الإخوان ومؤيديهم، الذين يحملون السلاح وينتهجون العنف، وذلك تمهيداً للانتقام منهم، تنظيم «الثأر لمصر»، وحسب ما تردد بقوة خلال الساعات الماضية اعتبر جماعة الإخوان محتلاً داخلياً، يمارس أعمال القتل والحرق والإرهاب، ضد المصريين الغلابة، في المناطق الشعبية تحديدا، مثل عين شمس وعزبة النخل، والمرج، والمطرية، والألف مسكن وحلوان بالقاهرة، وفيصل والهرم والمريوطية و6 أكتوبر، بمحافظة الجيزة، بجانب عدد من قرى محافظات الفيوم والمنيا والشرقية، والبحيرة والغربية، ومن ثم يجب مقاومتهم، والانتقام منهم، والرد عليهم بنفس الأسلوب، وكشفت الشائعات أن «تنظم الثأر لمصر» لن يستجيب لأي نصائح، تتعارض مع أهدافه، خاصة أن عنف جماعة الإخوان الإرهابية بدأ يتصاعد ويتخذ أشكالاً غير مقبولة، ومخالفة لكل القوانين والأعراف، وخروجا صارخا على الدولة، بهدف إسقاط مؤسساتها، وإثارة الفوضى، وجرجرة البلاد لمصير الدول المجاورة، مثل سوريا وليبيا والعراق واليمن، وهو مخطط خارجي تنفذه جماعة الإخوان الإرهابية ومؤيدوها، والمتعاطفون معها حرفيا. ورددت الشائعات أن التنظيم الجديد لن تأخذه رحمة، بكل من تسول له نفسه قتل المصريين، وتهديد أسرهم، وتدمير وحرق ممتلكاتهم الخاصة والعامة، وإشاعة الخوف والرعب، وإيقاف مسيرة البناء، وأن التنظيم حمل على عاتقه ألا يتلون سياسيا، أو يكون بديلا للمؤسسات الشرعية، أو متقاطعا مع دورها، وإنما الهدف الرئيسي التصدي والانتقام من الإخوان الإرهابيين).

انتهى الخبر الغريب توقيتا وصياغة ويجب أن تستدعي في مخيلتك بجواره مقالات الموتورين الذين دعوا لتشكيل فرق للموت والإعدام بالشوارع الفترة الماضية ويستطيع الإخوان ومؤيدوهم إضافة بعض البهارات الطائفية لمثل هذا الخبر لتتصور كيف يمكن أن تتصاعد الأحداث لتفيد أطرافا خارجية لا تريد الخير لمصر وأطرافا داخلية تعتقد أن هذا السيناريو هو الأمثل للمواجهة (هل تدرك مدى خطورة وكارثية هذا الافتراض؟).

الافتراض الرابع: المجموعة التي ظهرت بالفيديو من مجموعات الشباب الذين انقطعت صلتهم التنظيمية بالإخوان بعد أن فقدت قيادة الإخوان بالفعل السيطرة المركزية على جزء كبير من القواعد، وهذه المجموعة تطور نوعي لمجموعات المجهولين التي عملت خلال الفترة الماضية على الانتقام من الشرطة بحرق سيارات عامة أو خاصة، وهذه المجموعة ومن قد يماثلهم قد تأثروا بالفكر السلفي الجهادي الذي يكفّر الحاكم والمجتمع في مرحلة لاحقة ويوجه نيرانه للجميع.

هناك بالطبع عشرات الافتراضات والاحتمالات الأخرى لقراءة المشهد لكن هذه الافتراضات الأربعة تمثل لي على المستوى الشخصي- وقد يتفق معي القارئ أو يختلف- افتراضات شديدة الخطورة كلها ستؤدي لتعقيد المشهد الحالي ودخول مصر في مرحلة جديدة من التصعيد الذي سيدفع ثمنه الجميع.

المسؤولية الوطنية تقتضي إعادة تقييم المشهد الحالي وقراءة المعطيات الجديدة بعد مرور عام من بدء المواجهة بين السلطة والإخوان، التغيرات النفسية والفكرية المتسارعة لأطراف الصراع تنذر بالخطر الشديد، وعلى العقلاء أن ينبهوا لما سنصل إليه إذا استمر الوضع الحالي بنفس طريقة المعالجة، الوطن هو الخاسر وأطراف الصراع ليسوا بمأمن من عواقب المستقبل.. فهل يستفيق الجميع؟

0 التعليقات:

Post a comment

 
الحصاد © 2013. All Rights Reserved. Powered by Blogger Template Created by Ezzeldin-Ahmed -