منذ صيف ٢٠١٣ والفاشية الجديدة التى تسيطر على وسائل الإعلام العامة والخاصة فى مصر تصطنع ثلاثية العربى الخير والعربى الشرير والعربى غير المفيد / غير الضار، وتوظفها بكثافة فى مساعى تزييف وعى الناس وإضفاء شرعية على شبكة التحالفات والأدوار الإقليمية لمنظومة حكم / سلطة ما بعد ٣ يوليو ٢٠١٣.

فحكام عرب الخليج (باستثناء قطر) الذين يقدمون المساعدات المالية والعينية والدعم لمنظومة الحكم / السلطة، ومعهم حكام الجزائر والأردن، هم فى الخطاب الإعلامى المصرى العرب الخيرون المرحب بهم وبشعوبهم، والمقدرة أدوارهم المانحة والداعمة، والمروج لضرورة التحالف والتنسيق معهم ــ عسكريا (مسافة السكة) واستخباراتيا (الحرب على الإرهاب) وسياسيا ودبلوماسيا واقتصاديا.

هؤلاء، فى الخطاب الإعلامى وفى خطاب المؤسسات والأجهزة الرسمية، هم حكماء العرب وكبارهم / الذين لن تنسى لهم مصر وقفتهم بجانبها / الذين يريدون الخير لنا ولا يتآمرون علينا على نقيض حكومات وأطراف إقليمية أخرى. أما المسكوت عنه هنا فهو الطبيعة غير الديمقراطية لمنظومات الحكم / السلطة فى الخليج والجزائر والأردن، والانتهاكات المتكررة للحقوق وللحريات التى تلحق بالمواطن حين يبحث عن التعبير الحر عن الرأى أو يعارض سلميا سياسات الحكام، وتركز الثروة وغياب العدالة الاجتماعية وحضور التمييز الدينى والطائفى والمذهبى. المسكوت عنه هو غلبة التوجهات الطائفية والمذهبية على الأدوار الإقليمية لحكام عرب الخليج ــ تقابل طائفية ومذهبية الفعل الإيرانى فى العراق وسوريا ولبنان طائفية ومذهبية معكوسة لحكام الخليج لا تمانع فى تحول الدولة الوطنية إلى أشلاء. المسكوت عنه هو محدودية التضامن الفعلى لطائفة العرب الخيرين، خاصة فى مكونها الخليجى، مع الشعب الفلسطينى وحقه فى تقرير المصير والتخلص من الاحتلال الإسرائيلى وإجرامه الاستيطانى فى القدس والضفة الغربية واستباحته المستمرة لغزة واكتفائهم بسياسة المساعدات المالية والعينية وبيانات الشجب والإدانة.

يصمت الخطاب الإعلامى المصرى عن كل هذا ويدفع إلى الواجهة بتوصيف لفعل حكام عرب الخليج والجزائر والأردن «كخط اعتدال وعقلانية»، يتحول غياب الديمقراطية وما يستتبعها من قمع وانتهاكات للحقوق وللحريات إلى اعتدال يحارب قوى التطرف والتشدد ويعطى أولوية للحفاظ على تماسك الدولة وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، يزيف وعى الناس بشأن التوجهات الطائفية والمذهبية ويجمل تمويل مجموعات إرهاب وعنف التى تفتت الدولة الوطنية كمقاومة شعبية معتدلة تواجه طائفية الحكم الشيعى فى العراق والعلوى فى سوريا وحزب الله الشيعى فى لبنان وتقف فى المجمل أمام خطر «الهلال الشيعى» فى المشرق العربى، يصبح الدعم المالى والعينى للسلطة الفلسطينية فى رام الله عنوان دعم قوى الاعتدال فى فلسطين ودليل الابتعاد عن المتشددين والمتطرفين الذين تؤويهم فنادق قطر قبل أرض غزة ولا يمنحون أوصاف المقاومين حتى حين يواجهون آلة القتل الإسرائيلية ــ علما بأن الحكم فى الجزائر والأردن يبتعد نسبيا عن اعتماد هذا المكون الأخير. ثم تتماهى توجهات وسياسات منظومة الحكم / السلطة فى مصر مع خط «اعتدال» العرب الخيرين ويباعد بينها وبين ثوابت تاريخية للدور الإقليمى لمصر الرسمية التى دوما ما رفضت مقاربة القضايا العربية مكبلة بقيود الطائفية والمذهبية ولم تتراجع عن التزامها بمركزية القضية الفلسطينية أو تقبل اختزالها إلى مساعدات مالية وعينية وإغاثة إنسانية فى «أوقات العمليات العدوانية»، وكأن طبيعة العلاقة بين مصر وفلسطين تتطابق مع علاقة الدول الاسكندنافية المانحة بالشعب الفلسطينى المحتاج!

أما طوائف أشرار العرب فتتنوع فى الخطاب الإعلامى المصرى لتضم على صعيد منظومات الحكم / السلطة حكام قطر الداعمين لجماعة الإخوان المسلمين والذين يصنفون «كأعداء مصر» وتلصق بهم (بالتناوب مع تركيا) نوايا تآمرية ومخططات إجرامية. تضم طوائف أشرار العرب أيضا الحكومة المغربية والحكومة التونسية، وبهما تطبيق لمروحة من الإجراءات الديمقراطية (تضيق هنا أو تتسع هناك) ومشاركة لقوى اليمين الدينى فى الحكم (العدالة والتنمية المغربى والنهضة التونسية) ويقدمان بذلك نموذجا للبناء الديمقراطى التدريجى الذى صار منبوذا فى مصر ولدمج كل القوى السياسية والمجتمعية فى إطار سيادة القانون وشريطة التزام سلمية العمل العام ودون إقصاء لليمين الدينى الذى أصبح تياره الإخوانى فى مصر يقرن بالإرهاب، وتخون وتجرم وتقمع المجموعات والمصالح المنتسبة إليه، بل وزيفا تحولت الدعوة المستقلة والبعيدة عن الهوى الحزبى والانحيازات الإيديولوجية إلى السلم الأهلى / الوئام الأهلى / المصالحة الوطنية إلى دليل انحياز للإخوان على حساب الوطن وتآمر على الدولة ومؤسساتها.

لا مفاجأة، إذن، فى امتداد الفاشية الإعلامية وهستيريا التشويه المنفلتة من كل إطار إنسانى / أخلاقى / عقلانى / رشيد قبل تجاوزها لكل معانى ومضامين الانتماء العربى لمصر إلى المغرب وتونس. لا مفاجأة، إذن، فى أن يتحول الخطاب الإعلامى العام والخاص إلى آلة لصناعة «الأعداء» وإلصاق خصائص «الأشرار» بحكومتين عربيتين بهما نموذج إيجابى للبناء الديمقراطى وموقف متضامن عن بعد مع الشعب الفلسطينى، ولديهما من الهموم السياسية والاقتصادية والاجتماعية ما يشغلهما ولم يعهدا التدخل فى شئون الغير.

ثم يتواصل تنوع طوائف «أشرار العرب» ليبتلع السوريات والسوريين الذين قدموا إلى مصر هربا من ويلات حرب الكل ضد الكل فى وطنهم وبحثا عن اللجوء الآمن. منذ صيف ٢٠١٣ وآلة الفاشية الجديدة التى ضربت الإعلام العام والخاص تلصق بهم ظلما وزيفا اتهامات الخيانة والعمالة والتآمر على مصر «بالتحالف مع جماعة الإخوان المسلمين»، وتنزع عنهم حقوقهم وحرياتهم وتستنكر دفاع بعض الإعلاميين المحترمين / الموضوعيين ومنظمات المجتمع المدنى عن حقهم الإنسانى الأصيل فى الحياة والكرامة والذى ينبغى أن يحول دون إعادة الفقراء منهم إلى ويلات الحرب فى سوريا أو تفريق الأسر أو تعريضهم للانتهاكات المتمثلة فى الاحتجاز والحبس الاحتياطى ثم الترحيل.

تبتلع طوائف «أشرار العرب» الشعب الفلسطينى الذى يواجه اليوم فى الإعلام المصرى خطاب كراهية غير مسبوق، وتعامل اختزالى ظالم مع قضيته، وخطيئة تغليب حسابات لحظية وضيقة لمنظومة الحكم / السلطة على كون فلسطين شأنا مصريا ومصيريا.

بعض نماذج العبارات الموظفة فى الكتابات الصحفية والبرامج التليفزيونية للترويج لخطاب كراهية فلسطين واختزال قضيتها وتجريم المقاومة وخطيئة تغليب اللحظى على المصيرى: لا ناقة لنا ولا جمل فى فلسطين، فعلنا الكثير ولم يرد أحد الجميل، وقفنا معهم فتدخلوا هم فى شئوننا الداخلية، حماس إرهابية شأنها شأن جماعة الإخوان وهى تحالفت مع الجماعة ضد مصر وأمنها القومى، حماس تورطت فى قتل الجنود المصريين وفى الإرهاب فى سيناء، قادة حماس يسكنون فنادق قطر ويستفزون إسرائيل باعتداءات على المدنيين ويضحون بدماء الفلسطينيين لتحقيق أهداف سياسية وضيعة، حماس تريد توريط جيش مصر فى حرب لضرب الدولة والمجتمع، الفلسطينيون صمتوا على شهداء جيشنا وشرطتنا تماما كما صمت من يدافع عن حماس من عناصر الطابور الخامس والخلايا الإخوانية النائمة فى مصر، مصر مأزومة ولا تملك تقديم الكثير من المساعدات الإنسانية والعلاجية، فتح معبر رفح يهدد الأمن القومى المصرى.

عبارات تتواتر إعلاميا بهدف تزييف وعى الناس وتشويه الحقائق. ففلسطين ليست غزة وغزة ليست حماس، والقضية الفلسطينية هى قضية شعب يعانى منذ بدايات القرن العشرين من استعمار استيطانى واحتلال ولم يمكن من ممارسة حقه فى تقرير المصير إلى اليوم. الاعتداءات الإسرائيلية على القدس والضفة الغربية بالإجرام الاستيطانى والتهجير وتهديم المنازل والقمع الأمنى المستمر لم تتوقف أبدا، واستباحة إسرائيل لغزة تتكرر دوريا. بعد عقدين من «مفاوضات السلام» بين السلطة الفلسطينية فى رام الله والحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تحول التفاوض إلى عبث وفرغ حل الدولتين من المضمون بفعل الاستيطان وفصل القدس والضفة عن غزة، ومع الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة والصمت العربى والعالمى لم يعد أمام الشعب الفلسطينى ــ فى تقديرى ــ إلا الانتفاض سلميا لانتزاع حقوقه. المقاومة الفلسطينية هى دفاع مشروع عن النفس حين تعتدى إسرائيل، ولست من الذين يرون أن صواريخ المقاومة ستنتزع الدولة الفلسطينية المستقلة بل الانتفاضة السلمية هى التى تقدر على ذلك. العدد الأكبر من قادة حماس والجهاد الإسلامى والفصائل الأخرى لا يسكنون فنادق قطر، بل هم فى غزة ومنهم ومن أفراد أسرهم من استشهد خلال الأيام الماضية. ترابطات حماس وجماعة الإخوان المسلمين لها أن تباعد بين منظومة الحكم / السلطة الراهنة وبين حماس سياسيا، إلا أن مصر لا يمكن أن تدفعها الحسابات اللحظية والضيقة لتجاهل حقائق الجغرافيا والتاريخ والدور ولتصنيف حماس كعدو وإسرائيل كصديق. لم يطالب المجتمع المدنى والكيانات السياسية المتعاطفة مع غزة فى مصر بتدخل الجيش المصرى ولا يريد أحد توريطه فى حروب أو مواجهات عسكرية ولم يبتعد مصرى وطنى عن إدانة الإرهاب الذى يسقط شهداء الجيش والشرطة. المطالبة هى بإنهاء مشاركتنا فى حصار قطاع غزة وفتح معبر رفح على نحو قانونى ومنتظم ومراقب من السلطات المصرية لكل اعتبارات السيادة والأمن القومى. المطالبة هى بالتضامن مع انتفاضة فلسطينية ثالثة تعيد المقاومة السلمية إلى الواجهة فى القدس والضفة وغزة، وتنهى عبث أوسلو التفاوضى.

بتشويه هذه الحقائق وبالسعى الردىء إلى تزييف وعى الناس يبتلع الشعب الفلسطينى فى طوائف «أشرار العرب»، وتختزل قضيته، ويمرر استمرار المشاركة المصرية فى حصار غزة وخطاب الكراهية الذى تروج له آلة الفاشية الجديدة فى الإعلام.

أما الطائفة الثالثة، العربى غير المفيد / غير الضار، فهنا يدرج الخطاب الإعلامى المصرى فقراء العرب فى اليمن والسودان والصومال وموريتانيا، وكذلك الشعوب العربية فى العراق وليبيا مثلا التى تستدعى أوضاعها تارة للتفزيع من خطر المصير الأسود المتمثل فى انهيار الدولة الوطنية وسطوة الإرهاب والعنف، وتارة للتعاطف معهم وربما للتدخل فى شئونهم حين تقتضى ذلك سياسة «مسافة السكة» والمصالح الكامنة وراءها.


0 التعليقات:

Post a comment

 
الحصاد © 2013. All Rights Reserved. Powered by Blogger Template Created by Ezzeldin-Ahmed -