قبل أن يُعلن رسميا عن منع بث مسلسل «أهل إسكندرية» خلال شهر رمضان، أشارت الصحف إلى أن جهة غامضة أوصت بذلك. وهو ما يعنى أن القرار أصدرته تلك الجهة لأسباب وحسابات لم تكن مضطرة ولا راغبة فى إعلانها، وأن مجلس إدارة مدينة الإنتاج الإعلامى حين اجتمع وأعلن «تأجيل» عرض المسلسل فإن دوره كان مقصورا على إخراج القرار وليس إصداره.

عندى تجربة خاصة مع حكاية «التأجيل» تجعلنى أستريب فى مقصوده. ذلك أن أحد رؤساء التحرير السابقين لجريدة الأهرام حين كان يريد منع أى مقال لى فإنه لم يكن يؤشر بالمنع كى لا يؤخذ عليه، لكنه كان يقرر «تأجيله» فقط. وهو يعلم أنه كان يُنشر فى اليوم نفسه فى عدة دول عربية، الأمر الذى يعنى أنه إذا لم يظهر بالأهرام فى ذلك اليوم فسوف يتعذر نشره بعد ذلك، لأنه يكون قد «حُرِق» إذا استخدمنا الوصف الدارج فى محيط المهنة، بعدما تم نشره فى أماكن أخرى وصار فى متناول الجميع.

حدث معى بعد ذلك أنه حين لم أُمكَّن من السفر قبل عدة أسابيع، قيل لى إنه لا يوجد قرار بمنعى من السفر. وأفهمنى العالمون ببواطن الأمور بأن المنع له بابان أحدهما قانونى يصدره النائب العام والثانى «سيادى» يصدر عن جهات غامضة لا تُسمى ولا تُعرف ولا تُسأل. والمنع الأول يتم من خلال قرار مكتوب يصدره النائب العام ويبلَّغ إلى الجهات المعنية فى المطارات والموانئ. أما المنع الثانى فتصدره الجهات الغامضة من خلال الرسائل والاتصالات التى يتعذر إثباتها. فقد يقوم الوسطاء بتوصيل التبليغات والتنبيهات شفاهة، وقد يتم الأمر من خلال الاتصالات الهاتفية. وما أدهشنى أن مسئولا صحفيا على صلة بالمؤسسة الأمنية قال لى إن الجهات التى تُصدر ما يُسمى بالقرارات السيادية عددها تسع فى مصر، وهو ما استغربته لأن مبلغ علمى أنها بين ثلاث أو أربع.

لقد ذكرت فى مناسبة سابقة أن مصطلح الجهات السيادية الرائج فى الإعلام المصرى يُعد بدعة لا أصل لها، فى السياسة أو القانون. وهو قناع تتجمل به المؤسسة الأمنية والجهات الغامضة التابعة لها التى لا تريد الإعلان عن نفسها، وتفضل استخدام ذلك المصطلح التماسا للهيبة من ناحية ولترهيب الآخرين وإسكاتهم من ناحية أخرى. ذلك أنه لا يوجد شىء فى الدول العصرية اسمه مؤسسة سيادية، ولكن هناك قرارات سيادية تصدرها السلطة بناء على تقديرها السياسى وليس بموجب صلاحياتها الإدارية. ولأنه تقدير سياسى (مثل إعلان الحرب أو الطوارئ أو تعديل الوزارة) فإنه يظل بعيدا عن الرقابة القضائية، وإن خضع للرقابة البرلمانية.

من الناحية العملية فكلما انحسر التطبيق الديمقراطى تمددت وتعددت الجهات الغامضة واستفحل دور الجهات التى تتحصن وراء المسميات المختلفة، والصفة السيادية أبرزها. وبمقتضى ذلك فإنها تقوم بدور فاعل فى توجيه مختلف أنشطة الشأن العام، فى حين تظل قابعة فى الظل وبعيدة عن أى مساءلة.

إننا لا نعرف على وجه التحديد من قرر منع مسلسل «أهل إسكندرية»، ولا من أوقف برنامج باسم يوسف، ولا من ضغط سواء لتطفيش علاء الأسوانى، أو لمنع أشخاص بذواتهم من الكتابة فى الصحف أو إخضاع كتاباتهم لرقابة خاصة، كما حدث مع أهداف سويف مؤخرا ومن قبلها وائل قنديل. ثم إننا لا نعرف مدى صحة الشائعات التى تتحدث عن وضع أسماء منسوبين إلى ثورة 25 يناير ضمن قوائم غير المرضى عنهم. ومن هؤلاء الدكتور عمرو حمزاوى والدكتور سيف عبدالفتاح وصولا إلى عبدالرحمن القرضاوى ومصطفى النجار وعمرو واكد والفنانة بسمة...إلخ.

هذه الجهات الغامضة التى يسمونها جهات سيادية هى حكومة أخرى قابعة فى الظل. ولا أستبعد أن تكون الحكومة الحقيقية التى تسير البلد من مواقعها البعيدة عن الأعين. وهى مختلفة عن حكومة الظل فى إنجلترا مثلا، التى تشكلها الأحزاب لكى تكون جاهزة لإدارة البلد واستلام السلطة إذا فازت فى الانتخابات إلا أن جهاتنا السيادية تمارس ولا تنتظر الانتخابات. وهى أيضا تختلف عن الدولة العميقة التى تضم عناصر الأجهزة الأمنية وشبكات المصالح والخصوم السياسيين الذين يعملون تحت الأرض لتغيير الأوضاع والتأثير على السياسات. ذلك أنها عندنا جزء من السلطة يعمل فوق الأرض وغير مرئى لنا ولكنه أحد أذرع سلطة القرار. وهى تؤدى دورا سياسيا لما تتصوره خدمة للنظام، دون ضلوع شبكات المصالح الاقتصادية فيها.

والأمر كذلك، فإن أزمة مسلسل «أهل إسكندرية» تعد قرينة جديدة على مدى عمق أزمة الديمقراطية والشفافية فى مصر. وإذا كان منع المسلسل قد وفر أفضل حملة دعائية له، إلا أننى أتمنى أن تعد الأزمة بمثابة جرس إنذار ينبهنا لحاجتنا الملحة إلى الشفافية واستعادة المسار الديمقراطى، الذى يبدو أنه بند مؤجل فى أولويات النظام القائم.


0 التعليقات:

Post a comment

 
الحصاد © 2013. All Rights Reserved. Powered by Blogger Template Created by Ezzeldin-Ahmed -