«أسر مصرية نازلة تشترى ياميش! فيه إيه؟ إنتو مش قادرين تصدقوا حتى، وهى أموالكم أنتم تختبرون الآن ، والأسر اللطيفة اللى رايحة تدفع تجديد كارنيه النادى بتاعها بدل ما تدفع 950 جنيها ياريت تدفعها 11000 جنيه والـ 150 يتوردوا ، ليه لأن دى الطبقات اللى مفروض عدالة التوزيع، بعد أنظمة الفساد اللى عشناها هى اللى لازم ، لأن مش كل الناس هيبقى عندها جرأة تمد إيدها فى جيبها وتدينا، هنسيبهم لنفسهم؟ هنسيبهم لنفسهم؟ ولا لازم الدولة تحضر فى هذا المشهد؟» (جزء من وصلة صراخ مذيعة فى وجه المشاهدين).

بمجرد أن قال السيسى إنه سيتبرع بنصف راتبه ونصف ممتلكاته التى ورثها عن والده لأجل مصر انطلقت عاصفة من القصف الإعلامى المتنوع والتى جمع بينها الصراخ فى وجه الناس ولومهم على ما يشترونه وعلى طريقة إنفاقهم، وكذلك تدفق نهر من النفاق المقزز ليخترق مسامعنا وأبصارنا وصحبه محاولات كلاسيكية للتلميع الذاتى من قبل بعض الشخصيات التى سارعت بالإعلان عن أرقام تبرعات كبيرة، ثم تراجعت عنها ونفتها، ومحاولات أخرى من بعضهم سارت على طريقة (كوهين مات وبصلح ساعات)

ثمة ملاحظات حول هذا المشهد لا بد من وضعها فى الاعتبار حتى تتضح الرؤية:

أولا: حين يبدأ القائد بنفسه بطريقة عملية فى دعوة من يقودهم لتنفيذ ما يطلبه فإنه يقدم القدوة من نفسه أولا حتى يتقبل الناس ما يطلبه منهم، ولذلك فما فعله السيسى، سواء اتفقنا معه، أو اختلفنا – خطوة جيدة إذا تبعتها شفافية ومعلومات كافية عن حجم التبرع الذى قام به وكيفية دخوله خزانة الدولة، سواء له أو لغيره من الشخصيات البارزة، وبخاصة رجال الاعمال.

ثانيا: مبادرات جمع التبرعات من المصريين لم تتوقف منذ ثورة يناير، وكان أشهرها مبادرة الشيخ محمد حسان التى لم يعرف مصيرها حتى الآن، ثم مبادرة الإعلامى خيرى رمضان، عقب 30 يونيو والتى شهدت مواقف طريفة على الهواء، حين استضاف بعض الشخصيات التى أعلنت عن حجم تبرعات هائل وفى لحظة التنفيذ والجدية تراجعت، وبررت بتبريرات مضحكة، لذلك فقبل إطلاق مثل هذه المبادرات يجب أن تكون وسط رؤية ومشروع قائم على تخطيط علمى وفكر استثمارى حقيقى.

ثالثا: هل يقوم الاقتصاد، وينهض على التبرعات والمساهمات؟ بالطبع لا ينهض اقتصاد أى دولة على التبرعات أو المعونات، ودور الدولة ليس جباية الأموال من المواطنين، سواء عن طلب التبرعات أو مضاعفة الضرائب، بل ينهض الاقتصاد إذا استطاعت الدولة خلق الثروة عبر جذب استثمارات وإقامة مشاريع تنموية حقيقية فى المجالات المختلفة، وكذلك ينهض الاقتصاد إذا استطاعت السلطة تحقيق العدالة فى توزيع الثروة وعوائد الموارد الطبيعية ومصادر دخل الدولة، وكلما تميزت إدارة الدولة بالفشل انهار الاقتصاد وتركزت الثروة فى يد قلة من الشعب مقابل أغلبية تعانى الفقر والتمييز.

رابعا : محاربة الفساد عبر آليات الشفافية والمراجعة توفر على الدولة جزءا كبير من عجز الموازنة المتصاعد عام بعد عام، وطبقا للمستشار هشام جنينة، رئيس الجهاز المركزى للمحاسبات، فإن الفساد كلف مصر 20 مليار جنيه خلال العام الماضى فقط، تخيل هذا المبلغ لو تم توفيره، فما الذى يمكن أن يحققه؟ لذلك نحن لا نريد من رجال الأعمال تبرعات، ولا نقبل بفرض إتاوات عليهم ولا على غيرهم، بل أن نريد أن يعطوا الدولة حقها من ضرائب ورسوم، ونريد منهم أن يردوا للدولة ما سرقه بعضهم خلال عهد مبارك، ولا يمكن قبول إغلاق ملفات الفساد الكبرى التى كبدت الدولة عشرات المليارات، مقابل ملاليم يلقى بها بعضهم فى صورة تبرعات سيتم خصمها من ضرائبه، ويظهر فيها كأنه يمّن على المصريين بأنه يتبرع من أجلهم بينما هو قد سرق قوتهم ونهب مواردهم على مدار السنوات الماضية، هناك عدد من رجال الأعمال المعروفين للدولة والأجهزة الرقابية بالاسم، إذا أعادوا للدولة حقوقها – ولو عبر مصالحات حقيقية وتسهيلات معقولة – سيتوفر لخزانة الدولة الكثير، ولكن أين الإرادة السياسية فى تنفيذ ذلك؟

خامسا: عزبة الإنفاق الحكومى وإهدار المال العام المستمر فى أغلب قطاعات الدولة يحتاجان لوقفة حاسمة تنظر للمشهد بشكل كامل يعتمد إعادة هيكلة الجهاز الإدارى للدولة بالكامل، عبر خطوات شجاعة لا تظلم أحدا ولا تجامل أحدا ، أما استمرار الجهاز الإدارى والجسم الحكومى للدولة بهذا الشكل، فهذا يعنى استمرار تصاعد عجز الموازنة.

سادسا: من حق الناس أن تعيش كما تحب، وتنفق كما تشاء طالما أنهم يؤدون حقوق الدولة، ولا يأخذون ما ليس حقا لهم، وليس من حق أحد أن يلومهم أو يوبخهم طالما أن ما ينفقونه من مال حلال نتيجة كسبهم وعرقهم وعملهم، واذا فرضنا تجاوزا إمكانية قبول هذا الخطاب التقريعى، فكيف يمكن تقبل التعميم؟ وكيف يمكن مخاطبة من يبحثون عن لقمة عيش فى صناديق القمامة من شدة الفقر والعوز؟ وكيف يمكن مخاطبة ملايين المصريين الذين لا يمتلكون سكنا ولا مصدرا للدخل وهم يحتاجون من يكفلهم ويعطيهم ، مع العلم أن تصور تحقيق العدالة الاجتماعية أنه مجرد أخذ من الأغنياء لإعطاء الفقراء هو خرافة تنافى بديهيات الاقتصاد لأن الكل سيسقط فى شراك الفقر والصحيح هو خلق الثروة وتطوير التعليم والتدريب والتوسع فيه مع خلق فرص عمل ومشاريع انتاجية استيعابية ليحدث الحراك الاجتماعى والطبقى المنشود.

سابعا: بعض السادة الإعلاميين الذين ينسون أنهم يجلسون على شاشات فضائيات ومنابر إعلامية ويعتقدون أنهم يجلسون على المصاطب والمقاهى ويكيلون للشعب الشتائم، ويقرعون الناس بشكل مقزز ثقوا بأنكم تثيرون اشمئزازنا.. وثقوا بأنكم سمجون لحد الثمالة.. وثقوا بأن طريقتكم وأسلوبكم يساعدان فى هدم أى فكرة إيجابية وأنكم بخطابكم المختل والمشوه تجعلون الناس ينفرون، فرفقا بنا وسامح الله الزمان البائس الذى جعلكم تتصدرون منابر توجيه الرأى العام.

وأخيرا: نحن لا نكسر مجاديف أحد، ولا نزايد على أحد، ولكن نتحدث بصوت العقل الذى يتجاوز اللحظات العاطفية والتى لا يمكن الانطلاق منها لانقاذ مصر، أساليب التعبئة النفسية والاستمالات العاطفية لا تنجح إلا إذا رافقها مشروع حقيقى متكامل الأركان، وهذا ما نتمناه، ونمد له يد العون إن وُجد.

0 التعليقات:

Post a comment

 
الحصاد © 2013. All Rights Reserved. Powered by Blogger Template Created by Ezzeldin-Ahmed -