أرادوا أن يتسلوا باصطياد الحمام في أجران القمح، نهاهم عم "حسن محفوظ" وهو أول من حكموا عليه بالإعدام، فلم ينتهوا، أشعلوا النار في جرن قمح مملوك لمؤذن القرية وقتلوا زوجته، تجمع الأهالي وجاء الخفر لانقاذهم رغم كل ما فعلوا، فقتلوا الخفر ظنا منهم أنهم جاءوا للاشتباك، وحين هربوا وأوشك أحدهم أن يموت من ضربة شمس امتدت يد فلاح مصري له بالماء فقتلوا الفلاح، قتلوا كل من اقترب منهم خوفا ورعبا، وهكذا يفعل المرعوبون، كانوا مثل أخرق أعطوه بندقية فأطلق النار على قدميه من شدة الخوف، جنود الانجليز الذي ارتكبوا هذه المذبحة الدامية لم يعاقبوا، بينما عوقب الفلاحين بتهمة حماية خبزهم ونسائهم وتقديم شربة ماء لجندي إنجليزي، فمنهم من قتل من فوره ومنهم من أعدم ومنهم من جلد وسجن أعواما مديدة، قتل المصريون، والقاضي مصري !!

لم يعدم الحاكم العسكري "الانجليزي" قضاة مصريين يحكمون له بما يريد لقاء الترقي والمكاسب التي ظنوها ترفع خسيستهم فإذا بها تلقيهم في الوحل وتلحق بهم العار إلى آخر حياتهم، قضاة دنشواي المصريين هم: بطرس باشا غالي رئيس المحكمة ، أحمد فتحي زغلول عضو المحكمة الذي خط بيده الآثمة حيثيات الحكم على أهله، وممثل الادعاء "إبراهيم بك الهلباوي أحد أهم المحامين وأشهرهم في هذا الوقت، وقد وجهوا تهما بالقتل لأكثر من 50 فلاحا مصريا تتراوح أعمارهم بين الـ 15 عاما، والـ 75 عاما، ووقف الهلباوي يومها أمام رموز الدولة، الانجليز، يدبج العبارات النارية ويطالب المحكمة بأقصى العقوبة للمصريين القتلة الإرهابيين المخربين الذين امتدت يدهم على المستعمر الذي يحبه المصريون، فأضروا بالدولة بل وبالأمة كلها ..!!

جاء في مرافعته: "إن حسن محفوظ أقام الفتنة النائمة فكدر جو أمة بأسرها، لقد مضى علينا 25 عاماً ونحن مع المحتلين في إخلاص واستقامة وأمانة، ولكن حسن محفوظ أساء إلينا وإلى كل مصري، فاعتبروا صوتي صوت كل مصري حكيم وعاقل يعرف مستقبل أمته وبلاده"

الهلباوي لا يفنى ولا يستحدث من العدم، وإذا سقط من تاريخنا هلباوي فكل نخبتنا الهلباوي، الأغرب إن جريدة المقطم الموالية للاحتلال البريطاني، وهي النموذج الذي كتب له النجاح والاستمرار في تاريخنا الحديث قامت بدور إعلام الأزمة وقالت إن الإنجليز لم يقتلوا الفلاحين، وإنما الفلاحون هم من قتلوا أنفسهم كي يورطوا الإنجليز الشرفاء ..!! ، ليس هذا فحسب وإنما تجاوز الفلاحون الإرهابيون كل حد في الإجرام وحرقوا أجران قمحهم بأيديهم كي يتهموا العسكر "الانجليز" الذين لم تمتد أيديهم على الفلاحين بسوء ..!!

في هذه المعادلة البائسة كان بطرس غالي وفتحي زغلول والهلباوي هم حماة الوطن الذين حافظوا على هيبة الدولة وكان عم حسن محفوظ ومن معه من الشباب هم الإرهابيون مؤججو الفتن، أما مصطفى كامل الذي عرض القضية في كل المحافل الدولية وكان سببا في إقالة اللورد كرومر وإشعال جذوة النضال الوطني من جديد فهو واحد من نوشتاء السبوبة .. (إبراهيم عيسى رجل كل العصور)

حكمت المحكمة على المصريين بالإعدام والجلد والمؤبد وتجاوزت تقرير الطبيب الشرعي الانجليزي الذي أفاد بالقطع أن الضابط الانجليزي الوحيد الذي مات في هذه الواقعة مات من أثر ضربة شمس ولم يعتد عليه أحد، ولم تترك المحكمة إلا 30 دقيقة لأكثر من 50 متهما ليقولوا ما عندهم، وأبت سماع أقوال أحد رجال البوليس حيث أكد أن الضباط الانجليز أطلقوا العيارات النارية على الأهالي، وبنت حكمها على تأكيدات الضباط الذين كانوا السبب في المعركة، والذين يعتبرهم العدل في كل بلد خصوما للمتهمين!!

ووقف وزير خارجية بريطانيا وقتها إدوارد جراي يهاجم التعصب الإسلامي الذي كان سببا في قتل جنود بريطانيا العظمى البواسل أثناء قيامهم بواجبهم المقدس (في صيد الحمام) ويطلب من مجلس النواب ألا يشغل باله بما يحدث في مصر، وأن يترك الأمر للورد كرومر على سبيل "التفويض" .. (أنتوا متعرفوش إنكم نور عنينا ولا إيه؟)

كانت حادثة دنشواي مفصلا محوريا في تطور الحركة الوطنية، وبداية خلخلة مركز الاحتلال البريطاني في مصر، كانت كما وصفها عبد الرحمن الرافعي في تاريخه"نهاية عهد كان الاحتلال يتمتع فيه بالاستقرار والطمأنينة، وبداية مرحلة جديدة من مراحل الجهاد القومي عم فيها الشعور الوطني بعد أن كان الظن أن سواد الأمة راض عن الاحتلال ..!!

أما القضاة الخونة فقد نالوا ما تمنوا من صلاحيات وترقيات وشملهم العطف السامي الانجليزي، ونالوا من المناصب والترقيات ما نالوا ما بين وزيرا ووكيلا لوزارة الحقانية، غير ما خفي إلا أن هذا كله لم يجزء عنهم شيئا عند الناس، وظلت لعنة المصريين تلاحقهم حتى بعد موتهم، بطرس غالي اغتيل في 1910 على يد شاب من شباب الحركة الوطنية (إبراهيم ناصف الورداني)

" أحمد فتحي زغلول " تم ترقيته بعد عام ليصبح وكيل وزارة الحقانية، وأقاموا له حفل تكريم في فندق "شبرد"، وطلب مريدوه من الشاعر أحمد شوقي أن يشاركهم بقصيدة، فأرسل لهم مظروفاً مغلقاً، وفتحت لجنة الاحتفال المظروف فوجدت فيه :

إذا جمعتم أمركم وهممتوا بتقديم شئ للوكيل ثمين
خذوا حبال مشنوق بغير جريرة وسروال مجلود وقيد سجين
ولا تعرضوا شعري عليه فحسبه من الشعر حكمُ خطه بيمين
ولا تقرأوه في شبرد بل فاقرأوا على ملأٍ في دنشواي حزين

ومات فتحي زغلول في 1914 ولم يشر أحد إلى ذكراه، مات "هلفوتا" بلا وزن ولا قيمة ولا تاريخ رغم مآثرة في القانون وعلم الاجتماع وترجماته المتميزة، وثقافته الواسعة، واحتلاله لموقع هام بين النخبة المصرية قبل دنشواي، مات دون ذكر أو ذكرى ولم يبق منه سوى تاريخ أسود كان البعض يعير به أخاه " سعد زغلول "!! أما " إبراهيم الهلباوي " فقد عاش أسوأ أيام حياته التي كانت حافلة بالنجاح قبل دنشواي، عاش مطرودا منبوذا محتقرا بين قومه، وذكرت مجلة المجلات العربية عدد فبراير عام 1908 أن الهلباوي استقل باخرة إلى أوروبا، وكان أحد أمراء مصر على الباخرة، فسألته حاشيته عمن يريد أن يكون معه على مائدة طعامه، فأجاب : كل مصري على الباخرة ماعدا المدعو " الهلباوي"

وأوردت المجلة أن سعادة " حسين رشدي باشا " لما عين مديراً للأوقاف أراد لضرورة العمل أن يذهب لبيت الهلباوي، فلما علم سائق عربته صاح قائلاً : " هي حصلت تروح لبيت الهلباوي أنا ماروحشي يا سيدي لو قطعت راسي "!!!

ولكن الباشا كلفه بالذهاب رغماً عنه، فلما قابل الباشا " الهلباوي "، مد الهلباوي يده للمصافحة، فقال له الباشا جئتك في عمل مصلحي، وما جئت لأسلم عليك، ولا أقبل أن أكون أقل إحساساً من سائق العربة الذي امتنع من الحضور إلى منزلك "!!!

لقد حكم قضاء "مبارك" على حرائر الاسكندرية القاصرات بـ 11 سنة سجن، وحكم على شباب الأزهر الشريف بـ 17 سنة، وحكم على المصريين جميعا بعدم الأهلية بإلغاء مجلس الشعب، و"والس" على اعتقال المستشار محمود الخضيري (73 عاما) ، و"طرمخ" على تهريب المتهمين في قضية التمويل الأجنبي ومنظمات المجتمع المدني، وما زال يؤدي دور القاضي "حلاوة" في الزيني بركات بحق الشباب الثائر على الظلم في شتى أقاليم مصر، وما أدراك من شباب الأقاليم وما ترتكبه بحقه أجهزة الأمن من جرائم بشعة يومية لا يلتفت إليها أحد، دنشواي واقع يومي، وبطرس غالي ورفيقيه ما زالوا بين ظهرانينا سندا للطغاة وعونا لهم على عم حسن محفوظ وأبنائه، ومصر التي كانت تحلم بغد الحرية، باتت تطوي الأرض طيا للبحث عن "مهجر" من ظلمة التاريخ .. ثمة أمل؟ .. نعم ثمة أمل .. لقد كانت دنشواي حدا فاصلا بين "استقرار" الاحتلال و"الثورة" الحقيقية على وجوده، وها نحن قد عدنا، وسيعلم الذين طغوا وتجبروا أن ابتسامات البنات في الزنازين أقوى من آلاتهم القمعية، وقضاتها، وصحفها، وشاشاتها، وبهاليلها، وطباليها، ومبرريها .. يومهم قريب .. أقرب مما يتصورون .. وسنلتقي

0 التعليقات:

Post a comment

 
الحصاد © 2013. All Rights Reserved. Powered by Blogger Template Created by Ezzeldin-Ahmed -