ما الفرق الأساسي في الفكر الاستراتيجي بين الجيش في عهد طنطاوي و الجيش في عهد السيسي؟

ج:
بحسب وثيقة ويكي ليكس الشهيرة التي تتحدث عن المشير طنطاوي (http://bit.ly/1cT6ZjQ) فإن المشير طنطاوي يعاب عليه من وجهة نظر الأمريكان أنه صلب و غير مرن للتغيير خصوصا في أربعة قضايا استراتيجية و هي باختصار:
1. أمن الحدود
2. مكافحة الإرهاب
3. حفظ السلام
4. و الدفاع المدني

و أضيف إليهم إجمالا: 5. ممانعة التغيير بشكل عام.

و بالطبع فإن العناوين الأمريكية مطاطة و كانت تحمل معاني أعمق بكثير يفهمها المشير طنطاوي و الساسة وهو ما عبرت عنه مقالات و تحليلات عدة وقت صدور المعلومات، منها هذا المقال بالجارديان: http://bit.ly/169DR5T و أسرد هنا أهم ما جاء بالوثائق و التحليلات مع تعقيب سريع و مقارنة مع موقف الفريق السيسي.

-----------------
1. أمن الحدود
-----------------
و كانت وجهة النظر الأمريكية تقول بأن طنطاوي لا يقوم بعمله و الجيش المصري على أكمل وجه لحماية الحدود مع غزة من تهريب الأسلحة التي يتم توجيهها لاحقا لإسرائيل. و يحتج طنطاوي بأنه يجب أن يكون هناك مدخل آخر للأسلحة داخل غزة. ومع كل ذلك فإنه تم التنسيق بين الطرفين على تسلم الأجهزة المصرية أجهزة كشف أنفاق، و أن يتم تدريب المصريين عليها، و أن يستكمل بناء حائط خرساني على الحدود المصرية حتى يمنع زحف النازحين الفلسطينيين كما حدث وقت الحرب على غزة. أي أن مصر مشاركة في "سجن" الغزاويين... ومع ذلك لم يكن موقف طنطاوي كما تتمنى الإدارة الأمريكية!

*** لاحظ أن الرؤية الحقيقة للطرفين، مغايرة تماما عن المروج له من فكرة تهريب السلاح من غزة لمصر. مصر هي مصدر السلاح في وجهة نظر أمريكا، و في وجهة نظر طنطاوي فإنه يتم تهريب سلاح من إسرائيل أيضا لغزة، كما يتم التهريب من مصر لغزة، لا أحد يتحدث عن تهريب سلاح من غزة لمصر. أضف إلى ذلك أن فكرة الجدار أصلا ليست مصرية.

$$ موقف الجنرال السيسي و إن لم يكن معلنا، ولكن الحملة الإعلامية ضد حماس، و اتهامات التخابر معها، و الحملة الإعلامية أن مليون ونصف مواطن في غزة بإمكانهم شفط كهرباء مصر كلها و إن كان عددهم أقل من حي في القاهرة، و أن حدود مصر مع غزة و التي أقل من 14 كم هي ما يهدد الأمن المصري، و أن أكثر من 260 كم حدود مصر مع إسرائيل لا تمثل أي تهديد قومي. كل ذلك يعطيك إشارة أن تفاهمات الجنرال تأتي متسقة مع الرأي الأمريكي.

---------------------
2. مكافحة الإرهاب
---------------------
و كان يقتضي ذلك تغيير عقيدة الجيش المصري من توجيه السلاح ضد العدو الصهيوني، إلى توجيه لعدو الإرهاب المشترك. و كان المشير طنطاوي ممانعا لتوجيه أي سلاح مصري لفكرة "مكافحة الإرهاب" لأنها في نظره ليست قضية مصر.

*** مكافحة الإرهاب تقتضي مشاركة الجيش المصري في الحروب أيضا ضد الإرهاب. وهو ما لم يقبله مبارك و لا طنطاوي. و ربما كانت تقتضي مناورات مشتركة مع الكيان الصهيوني بحسب أن العدو واحد.

$$ الجنرال السيسي على العكس، وافق الرؤية الأمريكية و تم تغيير عقيدة الجيش المصري لكي يحارب الإرهاب. وهي الفكرة التي تم ذكرها صراحة في الوثيقة، و حذر منها عدد من جنرالات الجيش المتقاعدين. و قد تم السماح بالفعل لقوات إسرائيلية بعملية "مشتركة" ضد الإرهاب على الأراضي المصرية. و يجري الآن استخدام الآلة الإعلامية المصرية بشكل صريح وواضح في "الحرب على الإرهاب".

-----------------
3. الدفاع المدني
-----------------
بحسب الوثيقة، فإن موت أكثر من 100 مصري عام 2006 في البحر الأحمر، أحرج نظام مبارك. و أن الجيش المصري كان بإمكانه المساعدة، و أن طنطاوي أراد أن يتدخل الجيش المصري وقت الأزمة المدنية في البحر الأحمر، و يبدو أن اتفاقية السلام لم تكن تؤيد ذلك، و احتج طنطاوي للرئيس مبارك بأنه يتعين على الجيش أن يشارك في إدارة الدفاع المدني و حل الكوارث المدنية في البحر الأحمر. و أن الجيش أيضا "لم يكن مجهزا لذلك" و أن "ماكهيل" مساعد وزير الدفاع الأمريكي رشح فكرة حضور عسكريين مصريين تدريبا عن الدفاع المدني و إدارة الكوارث بأمريكا.

***لاحظ أن المشير يطلب تدخل الجيش للدفاع المدني، و يطلب أيضا صلاحيات أكثر لوحداته العسكرية، بدلا من الوحدات المدنية. المشير بحسب الوثيقة أميل للحفاظ على الدولة المركزية في يد مبارك و الجيش، على غير ذلك.

$$ موقف الفريق السيسي هنا غير واضح أو معلن. ولكن بالإمكان الاستنتاج أنه أميل للاحتفاظ بمكتسبات الجيش عن دولة مبارك العميقة بشكل عام. على عكس مبارك الذي كان أميل للعب بكل الاوراق: رجال أعمال الحرس القديم أصدقاؤه، رجال أعمال الحرس الجديد أصدقاء ابنه، رجال الجيش المخلصين جدا له، مع تواجد مساحة قليلة للحرية. في المقابل الفريق عبد الفتاح أميل لوضح كتلة السلطة كاملة في يده هو شخصيا، ثم الجيش، ثم الطوفان من بعد ذلك.

----------------------
4. حفظ السلام
--------------------
لقد شاركت مصر في "كل" قوات حفظ السلام الدولية التابعة للأمم المتحدة. و قد أرسلت مصر 1300-1400 جندي في قوات حفظ السلام في دارفور. وقد شاركت مصر أيضا بمعدات ووحدات ميكانيكية مدرعة، و قد قبلت الأمم المتحدة إحداها. ولكن الجانب المصري (طنطاوي) رفض استخدام الطائرات الهيليكوبتر المصرية في دارفور، و تعلل الجانب المصري بالصعوبات اللوجيستية، و تم وقف المحادثات عند هذه النقطة.

*** قوات حفظ السلام المشاركة في دارفور و الصومال مثلا، قوات "مرتزقة" تفرض فكر أمريكا و الإرادة السياسية الأمريكية ولو بشكل غير مباشر على الدول "المحتلة" تحت غطاء "الأمم المتحدة".
تجد فرض الهيمنة السياسية على تلك البلاد سواءا بالتقسيم أو بالاقتطاع كما هو جلي في مثال الصومال (تم اقتطاع جزء منها لأثيوبيا و جيبوتي...) أو تقسيم السودان، ثم يتم فرض قوات مشتركة أفريقية. تعطي القوات الأفريقية الغطاء السياسي للمشاركة، و تعطي أمريكا قدرا من المال لجيوش المرتزقة. و يسمى المال "معونات"، و القوات تسمى قوات "حفظ سلام".

نفهم أن طنطاوي بشكل أو بآخر على الرغم من مساهمة الجيش المصري في جيوش "حفظ السلام الأفريقي" فإنه كان ممانعا لدخول الجيش فيها بشكل سافر. كان يحاول الحد من عدد قواته في تلك الجيوش، ولو تعلل بأسباب لوجيستية.

$$ الجنرال السيسي لم نر له موقف في ذلك حتى الآن، ربما لم تأت اللحظة بعد.

--------------------
5. ممانعة التغيير
---------------------
ذكرت الوثيقة بإسهاب ممانعة المشير طنطاوي لأي شكل من أشكال التغيير، و بأنه شخص غير "مرن"، و يحب أن "يبقى الحال على ما هو عليه" و أن يتم الاحتفاظ بمكتسبات مبارك. و كان يتم التعلل من الجانب الأمريكي بأنه تربية "روسيا" لأن المشير كان مشاركا في صد العدوان الثلاثي، ثم حضر النكسة، ثم حرب الاستنزاف، ثم حرب 73... المشير بالنسبة للأمريكان يحافظ على نظام "مبارك" كما هو، حتى تمت تسميته بشكل واضح في الوثيقة: "كلب مبارك".

*** على عكس الفريق السيسي الذي لم يشارك في أي حرب من تلك الحروب، و تلقى تدريباته في أمريكا، و أنه وصل الأمر بحسب المقال المنشور عن لقاء له في الواشنطن بوست كان يعطي تقارير يومية للمسئولين الأمريكان، طالبا منهم "العون و المشورة" و ذلك لمدة شهور، بعيدا عن نظر الرئيس محمد مرسي المتهم بالتخابر مع "حماس".

--------------------------------------------------------------------------------------

ومع مراجعة ما سبق من نقاط، نتفهم أن المشير طنطاوي و إن لم يكن "مرنا" فإن الفريق السيسي يبدو أكثر مرونة بالنسبة للمواضيع المطروحة أعلاه على وجه الدقة.

الخلاصة،
المشير طنطاوي كان ممانعا صلبا للسياسة الأمريكية في مصر في أربعة مسائل استراتيجية هامة، متحججا دوما بالحفاظ على النظام القائم و ثوابته و استقرار المنطقة ككل حتى لُقب من قبل الأمريكان ب "كلب مبارك"، بينما تساهل أو تجاوب الجنرال السيسي في نفس تلك النقاط أو في أغلبها على وجه الدقة، بل وزاد على ذلك بأن أصبحت تقاريره و مشورته تأتي و تذهب بشكل مباشر لوزارة الدفاع الأمريكية بحسب تصريحه للواشطن بوست.

لا أظن أن المقارنة واجبة بين مجازر بورسعيد و أحداث البالون، و بين مجازر الحرس الجمهوري و رابعة.و أحداث رمسيس .. لنعرف أيهما أكثر سوءا: المشير أم الجنرال. ولكن لزم التنويه على القضايا الأربعة الاستراتيجية السابق ذكرهم، و المقارنة بين موقف المشير طنطاوي و الفريق عبد الفتاح السيسي.

يعني إن وجبت المقارنة من أجل فهم تطور الفكر و الأهداف، فقد انتقل الجيش و تفكيره الاستراتيجي، من وضع سيء يحافظ فيه على مكتسبات مبارك مع عدم الخضوع بشكل كامل في القضايا الخارجية، لجيش متساهل تماما و تابع كلية في القضايا الأساسية خارجيا. أما في الوضع الداخلي، ربما انتقل من وضع سيء لوضع كارثي بحسب عدد ضحايا المجازر. أي أن الوضع انتقل في المجمل داخليا و خارجيا: من "المصيبة" للــ "كارثة".

2 التعليقات:

  1. مصر ضاعت بسبب السيسي والعلمانيين..حسبي الله ونعم الوكيل

    ReplyDelete
  2. الامر كله يدلل..اننا لانملك جيش ولاعسكريه...بل افراد يتغير فكر الجيش ورؤيته..حسب توجه فرد وهو القائد.........القرارات الاخيرة.للقائد...تبتعد عن الخطأ..فى اتجاه الخيانة

    ReplyDelete

 
الحصاد © 2013. All Rights Reserved. Powered by Blogger Template Created by Ezzeldin-Ahmed -