نعود إلى البدايات: إذا كانت ممارسة أطراف الحياة السياسية للنقد الذاتى ولمراجعة الرؤى والمواقف تمثل ضرورة للإبقاء على حيوية التنظيم

الديمقراطى ومواجهة اختلالاته المتكررة التى تباعد بينه وبين تحقيق

الصالح العام وإنجاح عملية التحول الديمقراطى كثيرة العثرات والتعرجات،

فإن مصر اليوم فى أمس احتياج لممارسة النقد الذاتى والمراجعة وفى سياقات متنوعة.

ولأن مقولات التخوين الزائفة باتجاه المدافعين عن الحريات والحقوق

والنزعة الإنسانية تجد فى اللحظة الراهنة رواجا واضحا ولأن أصوات الفاشية المنتشرة فى المساحتين السياسية والإعلامية والمدعية لحق احتكار الحديث باسم المصلحة الوطنية باتت تلصق بنا زورا صفات العمالة والتآمر والخلايا النائمة والانتماء لطابور خامس (إلى آخر رطانة الفاشية الغثة والمعتادة فى كل زمان ومكان) وتفسد عمدا إدراك 

الرأى العام لحقيقة مواقفنا، أجد لزاما على توضيح المقدمات التالية:

١) إن ما سأذهب إليه لجهة ممارسة أطراف اليمين الدينى للنقد الذاتى

وللمراجعة لا يسقط حق المجتمع والمواطن فى مساءلة ومحاسبة منضبطة بسيادة القانون وبمعايير العدالة وحقوق الإنسان لجماعة الإخوان وحلفائها عن تورطهم فى بناء الاستبداد وفى العنف الأهلى وفى التحريض عليه، مساءلة ومحاسبة فى إطار منظومة متكاملة للعدالة الانتقالية. كما أنه لا يغير أبدا من موقفى المعروف، ومن قبل ترتيبات ما بعد ٣٠ يونيو والذى تعرضت بسببه لهجوم متواصل من اليمين الدينى يتناساه الآن مروجى مقولات الخلايا النائمة والطابور الخامس الزائفة، بشأن الفصل بين الدين والسياسة وبين الدعوى والحزبى وعدم جواز تكوين أحزاب على أساس دينى أو أى أساس تمييزى آخر (مذهبى أو طائفى أو عنصرى أو عرقي) يهدد إلدولة والمجتمع بفاشيات 
دينية وتمييزية. ولا يلقى بظلال رمادية على مطالبتى المستمرة بضرورة

إنهاء الوضعية الاستثنائية لجماعات اليمين الدينى بحلها وإخضاعها

للقوانين المصرية إن أرادت التأسيس الشرعى فى إطار إبعادها عن السياسة وإلزامها بالنشاط العلنى والسلمى فى الجوانب الدعوية والاجتماعية.

٢) إن ما سأذهب إليه لجهة ممارسة مؤسسات الدولة للنقد الذاتى وللمراجعة ينطلق من قناعة مؤداها أن هيبة الدولة الوطنية تستند دوما إلى الالتزام بسيادة القانون وبالعدل وبضمانات الحريات والحقوق. كما أن التماسك الضرورى لمؤسساتها فى سياق تحولات مجتمعية وسياسية يستدعى الانفتاح على برامج متكاملة للإصلاح الدستورى والقانونى ولإعادة الهيكلة وللتحديث المؤسسى بهدف مواجهة الاختلالات والعثرات الكثيرة والمتكررة فى مسار بناء الديمقراطية وتثبيت دعائم الدولة المدنية وسيادة القانون. فالدولة الوطنية، وكما سجلت فى هذا الهامش منذ أيام، شرط أساس للديمقراطية لا

مساومة عليه.

٣) إن ما سأذهب إليه لجهة ممارسة أحزاب وتيارات سياسية ترفع يافطات الديمقراطية والليبرالية والعدالة الاجتماعية للنقد الذاتى وللمراجعة،

وبعيدا عن الهجوم الذى يروج له بعض ممثلى هذه الأحزاب والتيارات ضد

المختلفين معهم باعتبارهم لا يفهمون من الليبرالية إلا شعاراتها وقشورها (وبشىء من العتاب لأن الاختلاف فى الرأى ينبغى ألا يفسد للود الشخصى قضية)، يهدف إلى أن تراجع هذه الأحزاب والتيارات مواقفها من قضايا كالحريات والحقوق ومدنية الدولة، ودور الجيش فى الحياة السياسية، والعلاقة مع المصالح الاقتصادية والمالية الكبيرة، والنزوع الإقصائى (المتحول حاليا إلى استئصالى) داخل بعض دوائرها، وحدود ممارستها للديمقراطية الداخلية. ومجمل المواقف هذه أدخل الفكرة الديمقراطية والليبرالية فى مصر فى أتون أزمة عميقة.

٤) إن ما سأذهب إليه لجهة ممارسة النقد الذاتى والمراجعة سيحوى أيضا إعادة نظر فى بعض المقولات المركزية فى الفكرة الديمقراطية. تحتاج للمراجعة مقولات من شاكلة كون المشاركة السياسية لليمين الدينى تباعد بينه دوما وبين القابلية لممارسة العنف، وكيفية وضع وتفعيل ضوابط للمشاركة تلزم باحترام قيم المواطنة والمساواة والمدنية (تناولتها جزئيا فى الهامش هذا منذ أيام) وعدم توظيف آليات الديمقراطية فى الترويج لما يهدمها (كما تنص المادة ١٨ فى الدستور الألمانى ومواد مشابهة فى دساتير أخرى)، وضبط العلاقة بين صندوق الانتخابات والإرادة الشعبية والديمقراطية وسيادة القانون وتداول السلطة وحيادية مؤسسات الدولة، وتنقية مفاهيم الحريات وحقوق الانسان من المعايير المزدوجة الموظفة اليوم من قبل أصوات الفاشية والدولة الأمنية.

غدا هامش جديد للديمقراطية فى مصر.

0 التعليقات:

Post a comment

 
الحصاد © 2013. All Rights Reserved. Powered by Blogger Template Created by Ezzeldin-Ahmed -