هل يحق لنا أن نتساءل عن طبيعة وحدود العلاقة بين الجيش المصرى والإدارة الأمريكية؟

هذه الفكرة تلح علىَّ منذ قامت ثورة 25 يناير، ودأبت الصحف الأمريكية على تسريب معلومات عن العلاقة الخاصة بين قيادة القوات المسلحة المصرية وبين وزارة الدفاع فى واشنطن التى لم تكن بعيدة عن الحدث. لكننى حبست السؤال إدراكا منى لحساسيته فضلا عن احتمالات تأويله فى الظروف الدقيقة التى نمر بها. إلا أننى لم أستطع أن أصبر على كتمانه حين قرأت عنوانا على الصفحة الأولى فى عدد جريدة الشروق الصادر فى 5/8 الحالى، نسب إلى مسئول أمريكى سابق قوله إن «الجيش أهم حليف لنا فى مصر». وتحت العنوان نشرت الصحيفة تقريرا مهما حول العلاقات العسكرية بين الطرفين المصرى والأمريكى، أورد المعلومة التى وردت فى العنوان، وأضاف إليها أن تلك العلاقة المشار إليها توثقت منذ جاء الرئيس حسنى مبارك إلى السلطة سائرا على درب سابقه أنور السادات.

وقفت الكلمات فى حلقى، وأشعرتنى بوخز آلمنى ولا يزال. ذلك أننى أنتمى إلى جيل يعتبر العلاقة الخاصة مع الولايات المتحدة موقفا مشبوها ينبغى أن يتنزه عنه الوطنيون والأحرار الذين يعتزون بكبرياء بلدانهم واستقلالها. وكنت أحد الذين رفعوا أصواتهم بالاحتجاج والغضب فيما كتبت حين تردد ذكر تلك العلاقة الخاصة بين القاهرة وواشنطن أكثر من مرة فى عهد مبارك. إذ اعتبرتها نوعا من الحرام السياسى الذى يتعين تجنبه بكل السبل. إلا أننى حين وجدت أن العلاقة الخاصة تجاوزت حدود الدولة المصرية، بحيث صنفت القوات المسلحة بحسبانها أهم حليف للولايات المتحدة فى مصر، من وجهة نظرهم على الأقل وجدت أننا صرنا بإزاء منكر سياسى يرقى إلى مستوى الكبائر التى لا تغتفر.

مراسل الشروق فى واشنطن الذى نقل كلام المسئول الأمريكى السابق واستجاب لرغبته فى عدم ذكر اسمه. أورد فى تقريره المنشور معلومات أخرى مهمة، منها أن واشنطن كانت ترغب فى أن يتم تركيز الجيش المصرى على التهديدات الأمنية الاقليمية مثل القرصنة والأمن على الحدود ومكافحة الإرهاب، إلا أن القاهرة ظلت متمسكة بمهمتها التقليدية فى حماية البلاد، وظل العسكريون المصريون على موقفهم الداعى إلى تمكين الجيش المصرى من مواجهة الجيوش الأخرى فى المنطقة (فى إشارة إلى إسرائيل) وكان وزير الدفاع آنذاك المشير محمد حسين طنطاوى متمسكا بذلك الموقف.

وهو يدلل على عمق مظاهر التعاون العسكرى بين البلدين نقل مراسل «الشروق» عن تقرير قدمه إلى الكونجرس مكتب محاسبة الإنفاق الحكومى معلومات أخرى مهمة منها مثلا أنه خلال عامى 2001 و2005 (أحداث سبتمبر وغزو العراق) سمحت مصر 36553 مرة بعبور طائرات عسكرية أمريكية، كما منحت تصريحات على وجه السرعة لـ861 بارجة حربية أمريكية لعبور قناة السويس وقامت السلطات المصرية بتأمينها. ولم تلزم السفن والغواصات الأمريكية التى تحمل أسلحة نووية بإبلاغ السلطات المصرية قبل 30 يوما من مرورها، طبقا للقواعد المتفق عليها. وإلى جانب هذا وذاك فإن مصر فى عهد مبارك قدمت خدمات أخرى عديدة للاحتلال الأمريكى للعراق وأفغانستان.

اعتبرت أن مثل هذه المعلومات شهادة إدانة لنظام مبارك، يمكن أن تضم إلى الكتاب الأسود الذى يسجل ممارسات تلك المرحلة، كما اعتبرت أن تلك من سمات عهد بائد طوت الثورة صفحته وتطهرت من آثامه. ولذلك توقعت أن يخرج علينا المتحدث العسكرى بتصريح ينفى كلام المسئول الأمريكى السابق ويصححه. وانتظرت خمسة أيام أملا فى أن أقرأ ذلك التصريح لكنى لم أجده.

وخلال تلك الأيام لاحظت أن الصحف تحدثت عن اتصالات منتظمة بين الفريق السيسى ووزير الدفاع الأمريكى تشاك هاجل، بخصوص الأوضاع السياسية فى مصر. وطالعت حوار السيسى مع صحيفة واشنطن بوست فى 3/8، الذى قال فيه إن واشنطن ليست بعيدة عن أى شىء يحدث فى مصر، وأنه وضع الإدارة الأمريكية فى صورة الوضع الداخلى قبل عدة أشهر من عزل الدكتور مرسى، طالبا الدعم والمشورة والنصح. كون الولايات المتحدة شريكا وحليفا لمصر.

لا نريد أن نتسرع فى الحكم والتقييم، على الأقل لأن الوشائج والارتباطات والتعهدات التى قدمها نظام مبارك للأمريكان ومن ورائهم الإسرائيليون طوال ثلاثين عاما لا يمكن التحلل منها خلال سنتين أو ثلاث. علما بأن ما وقعنا عليه حتى الآن يمثل الجزء الظاهر من جبل الجليد. ولم يتح لنا بعد أن نطلع على الجزء الغاطس من الجبل. الأمر الذى يدفعنا لأن نلح فى الحصول على إجابة للسؤال الذى طرحته فى السطر الأول. وإلى أن يتحقق ذلك فلا مفر من الاعتراف بأن قيادة القوات المسلحة ومن ورائها الوطنية، أمامها جهد كبير وشاق يتعين بذله لاستعادة استقلال القرار السياسى.

0 التعليقات:

Post a comment

 
الحصاد © 2013. All Rights Reserved. Powered by Blogger Template Created by Ezzeldin-Ahmed -