وأما العشوائية فهى السمة الغالبة على أداء الأحزاب والقوى والتيارات السياسية فى مصر. الإخوان وحزبهم ورئيسهم، بعيداً عن شعاراتهم من النهضة والاستقرار إلى بناء المؤسسات الديمقراطية، يحكمون ويديرون الشأن العام بمنطق «اليوم بيومه»، فلا رؤية ولا خطة ولا برامج عمل محددة. وفى مجتمع يواجه الفقر والجهل والمرض والمظالم المتراكمة وفى دولة ينخر الفساد فى مؤسساتها وأجهزتها، تعنى عشوائية الحكم استمرار معاناة المواطنات والمواطنين دون بارقة أمل أو بادرة تغير إيجابى. وتعنى أيضاً ارتفاع التكلفة التى حتماً ستدفعها الأجيال القادمة فى سبيل الوصول إلى مجتمع الكفاية والعلم والتنوير والتنمية المتوازنة ودولة العدالة والمساواة.

ومع التشديد المشروع على عدم امتلاكها للأدوات التشريعية والتنفيذية لصناعة السياسة التى يحتكرها الإخوان وحلفاؤهم وعلى تعرض أصحاب الرأى والفكر لضغوط قمعية متصاعدة، لا تقل المعارضة المصرية عشوائية. فردية طاغية وجماعية انتقائية تقتصر على لحظات عابرة، غياب للرؤى القادرة على إلهام الناس والخطط التفصيلية القابلة للتفعيل الفورى لمواجهة الفقر والجهل والمرض، تغليب متكرر للتنازع الحزبى وللاستعداد للمزايدة اللفظية على معايير الموضوعية والسياسة النزيهة، هذه هى بعض سمات المعارضة التى تلقى بها فى خانات هامشية ليس لها أن تحصل على ثقة المواطن. وتتشابه تداعيات عشوائية المعارضة مع تلك الناجمة عن عشوائية الإخوان، غياب للتغير الإيجابى واستمرار للمعاناة الشعبية وتكلفة باهظة لإنجاز التقدم والتنوير والعدالة.

وأما التشويش فهو السمة الغالبة على إدراك الرأى العام المصرى لتطورات الشأن العام وأحوال السياسة. تنتج عشوائية الحكم والمعارضة، وفى ظل الغياب المزمن للشفافية ولحرية تداول المعلومات، ازدواجاً وتضارباً وتناقضاً فى معايير تقييم الأمور وبناء الرأى.

حين يعارض الإخوان المتشدقون دوماً بالإرادة الشعبية تصويت أفراد القوات المسلحة والشرطة فى الاستفتاءات والانتخابات بمقولات زائفة تخلط بين الجيش والشرطة كمؤسستين وبين الفرد المواطن العامل بهما وصاحب الحق الأصيل فى المشاركة بالعمليات الانتخابية، تفقد قطاعات واسعة فى الرأى العام القدرة على التقييم الموضوعى لتوجهات الإخوان، ويتصاعد التشويش.

حين يستدعى رئيس الجمهورية فى خطاباته وأحاديثه العلنية مفردات أمنية واستخباراتية ويطلق التهديدات الضبابية ضد الإعلاميين والسياسيين دون تحديد أو توثيق، تفقد قطاعات واسعة فى الرأى العام القدرة على التعامل بجدية مع كلام الرئيس المنتخب، ويتصاعد التشويش.

حين يختزل بعض ممثلى التيارات السلفية الموقف من الثورة السورية فى صراع مذهبى ويهاجمون بطائفية نظام «الأسد» المجرم لعلويته وليس لجرائمه ضد الإنسانية ويطلبون نصرة جماعات متطرفة وعنيفة تقاوم «الأسد» فقط لكونها ترفع اليافطة السنية، تفقد قطاعات واسعة فى الرأى العام القدرة على الربط بين المذهبية المقيتة التى يروج لها وبين صحيح الدين الذى يدعى هؤلاء الانتماء لمرجعيته، ويتصاعد التشويش.

وحين ينضم للتيارات السلفية فى مذهبيتهم، إن بشأن سوريا أو السياحة الإيرانية إلى مصر أو فى تسفيههم العنيف لآراء الليبراليين، شيوخ وكتاب من المحسوبين على اليمين الدينى وكنا نظن بهم مساحة من الاعتدال والتقدير للتعددية، تفقد قطاعات واسعة فى الرأى العام القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ، ويتصاعد التشويش.

حين يتحول بعض الليبراليين الذين يفترض بهم الالتزام الكامل بالسلمية والبحث دوماً عن حلول تفاوضية إلى منتجين لخطاب رامبو الأمريكى المعنون «الحرب ضد الإرهاب» لجهة سيناء وإلى دعاة توجيه ضربة عسكرية لإثيوبيا بسبب سد النهضة، تفقد قطاعات واسعة فى الرأى العام القدرة على فهم مبادئ وأهداف الليبراليين ويتصاعد التشويش.

العشوائية والتشويش آفتان لن نحقق التقدم والتنوير والعدالة دون مواجهتهما بنجاح.

0 التعليقات:

Post a comment

 
الحصاد © 2013. All Rights Reserved. Powered by Blogger Template Created by Ezzeldin-Ahmed -