يواصل جورج صبرا حكاياته قائلا: خلال الفترة التى اعتُقلت فيها بعد اندلاع الثورة فى سوريا، وقد اعتُقلت مرتين، مرة لمدة شهر وأخرى لمدة شهرين كما سبق أن أشرت، كان السجن مليئا بكل فئات المجتمع السورى المتهمين بالمشاركة فى الثورة، وكان أغلبيتهم من عوام الناس، ولأننا لا نختلط فى الحياة بعوام الناس فإننا نجهل المعدن الثمين لهم، وقد فوجئت بالمستوى الأخلاقى والإنسانى والرجولى والشجاعة والمروءة لهؤلاء العوام من غير المتعلمين، وفوجئت بأخلاقهم الإنسانية حينما يجدون من يقودهم ويوجههم، كان عددنا فى العنبر ثلاثمائة وخمسين سجينا ولنا حمام واحد، ولك أن تتخيل أن هذا العدد من السجناء يستخدم حماما واحدا، كانوا يقفون فى طابور طويل ويسجلون أسماءهم حتى يحصلوا على دور لمجرد غسل وجوههم أو دخول الحمام، وكان العنبر يسع بضع عشرات من الناس فقط فكنا ملتصقين ببعضنا ولا نكاد نتحرك من شدة الزحام، وكنت مثلهم حينما أريد دخول الحمام أفاجأ بهم جميعا يقدموننى عليهم، ويصيح أحدهم: «طريق للأستاذ يا شباب».. فكان الجميع بسماحة نفس ورضا وإيثار يسمحون لى بتجاوز الدور وكلهم يقدموننى باحترام وتقدير، وما زلت أذكر أننى فى حياتى لم أتصور أن يوجد ثلاثمائة وخمسون شخصا فى هذه المساحة الضيقة ويستخدمون حماما واحدا ومع ذلك يسع بعضهم بعضا، أذكر أننى حينما كنت أحاكم فى سبتمبر 2011 بتهمة السعى لإنشاء إمارة إسلامية فى قطنا وأنا مسيحى من حزب شيوعى الأصل كانت عائلتى تحضر المحاكمة من بداية اليوم إلى نهايته، وقد لاحظوا وجود ثلاثة أشخاص يحضرون المحكمة بشكل دائم فى البداية اعتقدوا أنهم من الأمن التابع للنظام، فسألهم أخى بعد إحدى الجلسات: هل لكم أحد فى الداخل يحاكم؟ فقالوا له: نعم، الأستاذ جورج صبرا. فقال لهم: هل تعرفون الأستاذ جورج؟ قالوا: نعرفه، لكنه لا يعرفنا. فقال لهم: أنا أخوه. فأصروا أن يأخذوا أخى معهم إلى بيوتهم وكانوا من قرية قريبة اسمها كناكر، وكلها من المسلمين السنة، وأذكر أنى حينما خرجت من السجن جاءت نسوة كلهن محجبات ومعهن رجال كلهم ملتحون وأصروا على أن يأخذونى إلى بيوتهم، لقد جسدت هذه الثورة الوحدة الوطنية فى سوريا بشكل عميق وغير مسبوق، صحيح أن العلويين صنعوا مشكلة عميقة وكبيرة بينهم وبين المجتمع السورى لكن باقى طوائف الشعب، وتحديدا المسلمين والمسيحيين، تماسكوا فيمن بينهم بشكل غير مسبوق، كما أن الكنائس كانت هدفا للقصف والهدم من قبل النظام العلوى كما كانت المساجد هدفا كذلك، وقد هدمت عشرات المساجد والكنائس التى تعكس الهوية التاريخية والثقافية والدينية والاجتماعية للمجتمع السورى منذ آلاف السنين، وكأن النظام لا يقتل الناس ويشردهم فقط ولكنه يمحو الهوية التاريخية والاجتماعية لسوريا وشعبها، وهذه من أكبر الجرائم فى التاريخ.


سألت جورج صبرا عن أطرف ما تعرض له خلال فترة وجوده فى السجن فقال: كان السجن مليئا بالشباب العوام، وقد اكتشفت المعدن الأصيل لهؤلاء الناس، وحينما علم أحدهم أن تهمتى هى إقامة إمارة إسلامية فى قطنا بينما أنا مسيحى كان فى حالة ذهول، وحينما اختلط بى فى السجن اقترب منى كثيرا وكان دائم التعجب لماذا أنا غير مسلم، وبعد مرور عشرين يوما على تعارفنا جاء ببساطة العوام وشهامتهم وطيبة قلوبهم وقال لى: أستاذ.. أنا متعجب كيف صار لى معك عشرون يوما وما قدرت أدخلك الإسلام وتصير مسلما؟ فضحكت وقلت له: ستبقى أنت مسلما وأبقى أنا مسيحيا حتى تظل هذه الثورة وطنية قام بها الشعب كله، بقيت علاقتنا طيبة ولا نكف عن الضحك، وحينما نادونى حتى يفرجوا عنى بعد الضغوط الدولية والداخلية، جاءنى الشاب مسرعا وقال لى: معقول أستاذ جورج راح تخرج من السجن قبل ما ربنا يهديك وتقوم تصلى ركعتين؟ هذه هى نفوس السوريين الذين كان يعتقد الجميع أن الظلم الذى مورس عليهم لعقود قد قتل فيهم الشجاعة والرجولة والتضحية والقتال من أجل الحرية. انتهت.

0 التعليقات:

Post a comment

 
الحصاد © 2013. All Rights Reserved. Powered by Blogger Template Created by Ezzeldin-Ahmed -