رغم أن المنطقة العربية تقع جغرافياً فى قلب الدنيا فإنها تسمى جغرافياً منطقة الشرق الأوسط، وقد ظهر هذا المصطلح للمرة الأولى على يد البريطانيين فى بداية القرن الماضى؛ حيث تشير المصادر المختلفة إلى أن الضابط فى البحرية البريطانية ألفريد ماهان هو أول من كتب عنه فى تقرير نشره فى الأول من سبتمبر عام 1902 ثم استخدمه من بعده مراسل صحيفة «التايمز» البريطانية فالنتاين شيرول فى أكتوبر عام 1902 ثم فى سلسلة مقالات تحت عنوان «المسألة الشرق أوسطية» فى عام 1903، ثم أصدر وزير المستعمرات البريطانى كامبل بنرمان تقريرا فى عام 1907 أطلق فيه المصطلح على المنطقة العربية التى تتميز بوحدة اللغة والثقافة والدين والتاريخ والتراث، لكن مصادر أخرى تشير إلى أن زعيم الحركة الصهيونية تيودر هيرتزل هو أول من روّج للمصطلح فى المؤتمر اليهودى الأول الذى عُقد فى مدينة بازل السويسرية فى عام 1897، وقد استخدمه الأمريكيون بعد الحرب العالمية الثانية حينما ورثوا مواقع أقدام الإمبراطورية البريطانية، وقد تطور المصطلح حتى عرفته الوكالة الدولية للطاقة الذرية فى عام 1989 بأنه المنطقة الواقعة من ليبيا غربا وحتى إيران شرقا ومن سوريا شمالا إلى اليمن جنوبا، لكن مصادر أخرى تعتبر منطقة الشرق الأوسط تضم كل الدول العربية مع إيران وتركيا، وقد سعى الرئيس الإسرائيلى شيمون بيريز فى عام 1990 بعدما وقعت إسرائيل معاهدات للتسوية مع بعض الأنظمة العربية إلى إصدار كتابه «الشرق الأوسط الجديد» الذى تخيل فيه الشكل الجديد للشرق الأوسط الذى تقوده إسرائيل باعتبارها -على حد زعمه- أقدم الديمقراطيات فى المنطقة وأخذ بيريز يصول ويجول فى أحلامه حول الشرق الأوسط الجديد، لكن أحلامه سرعان ما انهارت وبقى المصطلح الذى هو مصطلح استعمارى بريطانى بالدرجة الأولى لا يعكس حقيقة الموقع الجغرافى للمنطقة من خريطة العالم، وإنما الموقع الجغرافى من بريطانيا والولايات المتحدة من بعدها، ثم من المنظمات الدولية التى أسستها الدول الغربية مثل الأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها، وأصبح يُستخدم من الجميع، كل وفق مفهومه، وسيبقى كذلك محددا أحيانا وهلاميا أحيانا أخرى ويتسع ويضيق حسب الذى يطلقه ويستخدمه، حتى تستعيد الدول العربية والإسلامية قوتها وهيبتها وتعيد صناعة الحاضر الذى يصنع كل شىء ومنه صناعة المصطلحات وتسويقها كيفما شاءت، وعلى رأس المصطلحات تلك التى تراها مناسبة لنفسها وللعالم.

وفى الحوار الذى أجريته معه فى الأسبوع الماضى، تحدث مهندس السياسة الخارجية التركية والمخطط الرئيسى لها البروفيسور أحمد داود أوغلو، وزير الخارجية، عن ولادة «شرق أوسط جديد» بملامح تركية مصرية هذه المرة، من المقرر أن يضم دول الربيع العربى وحتى المغرب وكذلك دول الخليج العربى، وهذا الحلم التركى حلم قديم فكر فيه قبل أوغلو مؤسس الحركة الأسلامية فى تركيا الحديثة نجم الدين أربكان، رئيس الوزراء الأسبق مؤسس حزب السلامة الذى حظر وغير اسمه عدة مرات وتفرع منه حزب العدالة والتنمية الحاكم الحالى، لكن فكرة أربكان كانت تقوم على إنشاء قوة من الدول الإسلامية الكبرى تواجه قوة الدول الغربية السبع الكبرى وأطلق أربكان على منظومته مصطلح D8، وحينما تولى رئاسة الحكومة بالفعل فى عام 1997 سعى لتحقيق هذا الحلم الذى وضعه فى كتاب كبير باللغة الإنجليزية أهدى منه نسخة لى فى أحد لقاءاتى معه فى عام 2002، وبالفعل دعا أربكان كلا من مصر وإيران وباكستان والسعودية ونيجيريا وإندونيسيا وماليزيا، علاوة على تركيا، لتشكل القوة الإسلامية للدول الثمانى الكبرى وعقد أكثر من اجتماع لها، لكن ارتباط معظم هذه الدول بالسياسة الخارجية الأمريكية آنذاك جعلها تعرقل المشروع والفكرة ولم يعقد سوى اجتماعين تقريبا ثم وقع الانقلاب على أربكان وبقيت فكرة الدول الإسلامية الثمانى الكبرى حلما بين دفتى الكتاب الذى وضعه أربكان مع الخبراء الاقتصاديين من حزبه آنذاك، وقد توفى نجم الدين أربكان فى 27 فبراير من عام 2011 بينما كانت الثورات العربية تأخذ طريقها لتغير الخرائط السياسية وربما الجغرافية من بعد وتفتح المجال للخطوة الأولى لتحقيق حلم أربكان الذى حمله من بعده بعض تلامذته مثل رجب طيب أردوغان وأحمد داود أوغلو.. نكمل غدا.

0 التعليقات:

Post a comment

 
الحصاد © 2013. All Rights Reserved. Powered by Blogger Template Created by Ezzeldin-Ahmed -